دلالة النهي على فساد المنهي عنه ونماذج تطبيقية من فقه المعاملات المالية المعاصرة الفارسي، عبد العزيز بن زهير بن حمد

دلالة النهي على فساد المنهي عنه

الجزء ١ · صفحة ٧٤

ونود أن نبيّن أنّ التعبير بالصحة هو وجه آخرُ لهذا القول، وليس قولًا مُغايرًا كما حقق ذلك جماعة من الأصوليين كالحسين بن القاسم الزيدي في كتابه هداية العقول (1). ووجه العلاقة بين التعبيرين أنّ النّهي الذي يتوجّه إلى ذاتِ التصرف هو باطل بإجماع؛ لأنّ

جمهور

النهي في هذه الحالة قد سلب مشروعيّته، فلا اعتبار لها، وحقه أن يُبطل وتُعدمَ آثاره. والنهي الذي توجّه إلى الوصف المجاور المنفكّ غير مؤثر على ماهية التصرف كما هو رأي الأصوليين كما تقدّم، فلا يكون حقه البطلان. عندهم بقيت الحالة الأخيرة، وهي التي دار الخلافُ حولها بالجملة، ونعني توجّه النهي إلى وصف لازم غير منفكّ عن التصرّف الشرعي، فالجمهور يقولونَ ببطلان التصرّف؛ لأنّ فساد الوصف قد سرى إليه فيبطل. قال ابن قدامة: "ثم لا فرق بين كون النهي عن الشيء لعينه أو لغيره؛ لدلالة النهي على رجحان ما يتعلق به من المفسدة، والمرجوح كالمستهلك المعدوم" (2). وجمهور الحنفية يحكمون على هذه الحالة بالفسادِ لا البطلان وهما معنيان متغايران عندهم؛ إذ يُفسدون الوصف، ويُصححون التصرّف فتترتب بعضُ، آثاره، فاعتبروه صحيحًا من هذه الناحية. ولما كانت كل الحالات عند جمهور الحنفية واقعة موقع التصرّف الصحيح عدا التي يتوجه النهي فيها إلى ذاتها، قيل إن رأيهم في هذه المسألة هو دلالة النهي على الصحة. وبناءً على ما سبق، فإنّ قولهم إنّ النّهي دال على الصحة ليس على إطلاقه؛ لما ذكرنا من أنّ النهي المتوجّه إلى الذاتِ مبطل للتصرف باتفاق.

وقد ختم القرافي ذكره لقول جمهور الحنفيّة هذا بقوله: "وهو فقة حسن" (?).

(?) يُنظر: الحسين بن القاسم، هداية العقول: 2/ 166.

(?) ابن قدامة روضة الناظر: 1/ 611.

(?) القرافي،

أحمد

بن إدريس (ت 684هـ)، الفروق: عالم الكتب، (د. ط/ د. ت)، ج2/ 84.

(79)