دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٧٦الدليل الثاني: قال فتحي الدريني: "لو أنّ النّهي المطلق عن الشرعيات، أو النهي الذي اقترنَ
بما يدل على أنه للوصف اللازم يوجبُ القبحَ العيني كما يرى الجمهور – لارتفعت المشروعية أصلا عن المنهي عنه، وصار كالمنسوخ ممتنعا؛ لتنافي القبح العينيّ والمشروعية، وبذلك يحرم ذاتُ الصلاة والصوم؛ لورود النهي عن بعض أفرادهما، وهذا باطل؛ لأنّ كلا من الصلاة والصوم عبادة مفروضة أبد الدهر، فبطل ما أدّى إليه وهو القول بوجوب القبح العيني الذي يستلزم البطلان" (?). وهذان الدليلان معتمدان على مشروعيّة التصرّف، فالحنفيّة الآخذون بهذا القول متمسكون بها، ويحاولون تقريرها؛ إذ لا ينبغي أن تُعامل التصرّفات الشرعيّة بمثل معاملة الأفعال الحسية من حيث البطلان، وإلا لما كان لكونها مشروعةً فائدة.
وتقريرا لهذه القاعدة عندهم، يقول الكاساني (ت 587هـ): "إنا أجمعنا على أن البيع الخالي الشروط الفاسدة مشروع ومفيد للملك، وقران هذه الشروط بالبيع ذكرًا لم يصح، فالتحق ذكرها بالعدم، إذ الموجود الملحق بالعدم شرعًا والعدمُ الأصلي سواء، وإذا أُلحق بالعدم في نفس
عن
البيع كان خاليًا عن المفسد، والبيع الخالي عن المفسد مشروع ومفيد للملك بالإجماع" (2).
الدليل الثالثُ: قال الأزميري (ت 1165هـ): "لو لم يمتنع جريان النهي على أصله، لكان أصله فاسدًا غير صحيح؛ للنهي عنه كوصفه، فيمتنع وقوعه من المكلف فلا يُمنع عنه؛ لأنّ المنع عن الممتنع عَبَثْ، فإن قيل: المحال هو المنع عن الممتنع بغير هذا المنع، كالحاصل يمنع تحصيله إذا كان حاصلا بغير هذا التحصيل، وأما المنع عن الممتنع بهذا المنع فليس بمحال، بل كان ما هي
كذلك.
عنه
لا
وأجيب عنه: بأنّ هذا ينفي الاختيار ويقدم الابتلاء (?)؛ لأنّه إذا كان ممتنعا بهذا النهي يكون وجوده في المستقبل متصوّرا شرعًا؛ إذ تصوّره الشرعي لا يكون إلا بمشروعيته، وإذا فاتت
(?) فتحي الدريني، بحوث مقارنة: ?/ ???، ???.
(2) الكاساني، أبو بكر بن مسعود (ت 587هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: دار الكتب العلمية، ط2،
1406هـ / 1986م، ج 5 / 299، (بتصرف).
(?) هكذا في الأصل ولا أعلم المراد، ولكن السياق يعني أن ذلك المنع لا يُحقق.
معني
الابتلاء.
(??)