دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٧٧مشروعيته امتنع وجوده الشرعيّ لا محالة، فيبطل الاختيار ويسقط الابتلاء، فعاد على موضوعه
بالنقض؛ لأنّ النهي ابتلاء كالأمر" (?).
المنهي
وهذه مسألة مهمة في باب النهي، واعتماد هذا الفريق عليها يجعل موقفهم قويا، وهي كونُ
عنه ممكنا في الوجود.
ووصف فعل ما بأنّه مُمكن الوجود شرعًا يعني توفّر شرطين معًا: الأول (?): أنّ إمكانَ وجودِ الفعل المقصود في هذه المسألة ليس الوجود اللغوي أو الحسي، بل الوجود الشرعي، مثال ذلك أنّ الحائض التي يحرم عليها الصوم، لا تُعتبر منتهكة إلا إذا امتنعت عن الأكل والشرب من الفجر الصادق وحتى الغروب بنية الصوم الذي هو عبادة من هذه الكيفية، أما لو امتنعت عن الصوم بدون تلك النية فلا تُعتبر منتهكةً؛ لأنها أوجدت الصوم بمعناه اللغوي أو الحسي.
كما أن الحائض التي تمتنع عن الصلاة، لا يصح امتناعها إلا عن الصلاة المشروعة بكيفية مخصوصة وليست الصلاة بمعناها اللغوي كالدعاء.
الثاني
(?): وصفُ الفعل بأنّه ممكن في الوجود يلزمُ أنّ يُقرّ الشارعُ بمشروعيته أولا، بمعنى أنّ
الشارع قد تصرّف فيه بالجواز، بمعنى أنّه أباح أو أوجب أو حبّب المكلف على ارتكابه. ومثال ذلك التوجّه إلى بيت المقدس، فالتوجّه إليه مع قصدِ الصلاة وابتغاء الأجر من وراء ذلك لا يصح، بل يأثم عليه؛ لأنّ الشارع قد نسخ هذا التوجّه، فأصبح من المستحيلات الشرعية بعد أن كان من التصرفات المشروعة.
وعليه، بناءً على هذين الشرطين، لا يصح أن يتوجّه النهي إلا إلى الأفعال متصوّرة الوجودِ شرعًا حتى يتحقق معنى الاختيار والابتلاء، يقول عبد العزيز البخاري: "إنّ الله تعالى ابتلى عباده بالأمر والنهي بناء على اختيارهم فمن أطاعه بالائتمار بما أمر والانتهاء عما نهى باختياره نال
(?) الأزميري، حاشية الأزميري: 1/ 324، (بتصرف).
(2) يُنظر: الدريني، بحوث مقارنة: 1/ 239، 240.
(?) يُنظر: عبدالعزيز البخاري، كشف الأسرار: 2651،والأزميري، حاشية الأزميري: 1/ 325.
(4) يُراد بهذا المصطلح: "الأمر المشروع الذي نُسخت مشروعيته".
- يُنظر الدريني بحوث مقارنة: 1/ 239.
(??)