دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٨١- الوجود الشرعي، وهذا مقارن للوجودِ الحسّيّ، فلا يتحقق إلا بوجوده ابتداءً، والعبرة في تحققه هو اكتمال الأركانِ والشروط التي قد قرّرها الشارع لذلك الفعل، ففي النصوص السابقة، اشترط الشارعُ أن تُصاحب الوضوء تسمية حتى يكون مُعتبرًا شرعًا، وأن يسبق الصلاة وضوء حتى تكون صحيحةً، وأن يُقرأ فيها بأم الكتاب حتى تُعتبر شرعًا.
2. إنّ الفرق بين العبادات والمعاملاتِ لا يُمكنُ أن يُتغافل عنه؛ إذ ليست نتيجة كل واحدٍ منهما واحدةً،
ومن هذه الفروق:
أ- العبادات غالبًا ما تكون حقوقاً محضةً لله تعالى، أُمرَ بها المكلّف ابتلاء وتمحيصا من الله تعالى للعباد، أما المعاملاتُ فغالبًا ما تكون حقوقاً محضةً للعباد.
ب
العبادات غايتها التقرب إلى الله تعالى والامتثال لأوامره وإن لم يُدرك المكلفون الغاية من فعلهم، أما المعاملات فغايتها تحقيق نفع دنيوي للمتعامل بها، وغالبًا ما تكون مرهونة بمقاصدها
وعللها وغاياتها.
ج - العبادات ثابتة ولا تتأثر بتغيّر الأحوال والأزمان والأمكنة في أصلها، ولا يطرقها الاجتهاد في جوانب كثيرة منها، أما المعاملات فهي متجدّدة متغيّرة، تتأثر بالأحوال والأزمنة والأمكنة والأشخاص، والاجتهاد فيها واسع.
د - معنى الصحة في العباداتِ مغاير لمعناه في المعاملات؛ فقد تقدّم عند بعض الأصوليين أنّ الصحة في العبادات هي سقوط القضاء، وعند بعضهم الآخر موافقة الفعل للأمر. أما المعاملات فالصحة فيها ترتب آثارها التي شرعت من أجلها، ولا يُنظر فيها إلى قضاء أو إلى موافقة الفعل للأمر.
وبعد هاتين المقدمتين نقولُ إنّ الرأي الذي نميل إليه هو التفريقُ بين متعلقاتِ النهي من حيثُ الفساد والبطلان، وذلك على النحو الآتي: أ- النهي لو تعلّق بذاتِ الفعل الشرعي يبطل، سواء أكان عبادةً أم معاملة؛ لأنّ النهي في هذه الحالة قد أفقد التصرف مشروعيته، فقد أراد الشارع أن يُعدَمَ من الوجود، إذ لا مصالح يُمكن أن تتحقق من ورائه ما دام النهي متعلقا بذاته. وضوابط معرفة توجّه النهي إلى ذاتِ التصرف في المعاملات المالية ضابطان، هما:
(76)