دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٩١أ- حديث جابر بن عبد الله أنّه: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: «إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يُطلى بها السفن، ويُدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه» " (?).
ب- حديث ابن عبّاس، قال: "مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة كانت قد أُعطيتها مولاةُ ميمونة، فقال: "هلا" انتفعتم بجلدها"، قيل: يا رسول الله إنها ميتة. قال: "إنما حرم أكلها، وأما إهابِ دُبغ فقد طهر " (2).
بھا
والانتفاع مطلق، فيشمل البيع، ولأنّ الميتة نجسة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلّم: كيف يُنتفعُ وهي ميتة، فبين صلى الله عليه وسلّم أنّ الانتفاع يحل بعد التغيير وهو الدباغ. وبالنظر إلى تحريم الانتفاع بالنّجس بناءً على الحديثِ الأوّل، فإنّ بيعَ السماد باطل لا يُرتب أثرًا عند القائلين بدلالة النهي المطلقة على الفساد.
من
وبناءً على رأي الحنفيّة وما اخترناه من التفريق بين المتعلقات، فإنّ النهي المتوجّه إلى الذاتِ باطل سواء في عبادة او معاملة. هذا كله من حيث الأصل، وهذه المسألة مما أستثني هذا الأصل؛ فنحن وإن أقررنا بنجاسة السماد وهو من ذاتِ البيع، فإننا نقول إنّ البيع صحيح ولا يبطل؛ ذلك لأنّ السماد مما تقوم عليه حاجة الأرض والزراعة، وليس في السّمادِ استخدام خاص بالإنسان. ولأننا نجد معارضةً بين الحديثِ الأوّل الذي منع فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلّم الانتفاع بدهن الميتة، وبين الحديث الثاني الذي جوّزَ الانتفاع بجلد الميتة متى ما دُبغ؛ إذ كل من الدهن والجلد من ماهية الميتة، والدهن قد يُغيّر ليتحوّل طاهرًا كما يُغيّر الجلد، ولكنّ النبي صلى الله عليه وسلّم أطلق في الدهن، وقيد بالدباغ في الجلد.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بيعُ الميتة والأصنام، ح رقم: (2236). البخاري، صحيح البخاري: 3 / 84.
(2) أخرجه الربيع في جامعه، كتاب الزكاة والصدقة، باب (63) أدب الطعام والشراب، ح رقم: (394).
- الوارجلاني، الترتيب: ص??.
(17)