العنف الأسري وأثره
الجزء ١ · صفحة ٢٨ج عدم تلبية احتياجاتهم والتأفف من خدمتهم:
عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْتَأْذِنُهُ الْجِهَادِ فَقَالَ: «أَحَيُّ وَالِدَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدٌ»، فانظر كيف فضل النبي صلى الله عليه وسلم بر الوالدين والقيام بخدمتهما على الجهاد معه، فحق الآباء والأمهات لا يستطيع إنسان أن يحصيه أو يقدّره. وهل هناك أحد في الحياة يستحق البر والعطف وحسن الصحبة وجميل الأدب أكثر من الوالدين؟ وهل هناك أحد بذل للولد وضحى من أجله وتعب وسهر ورفض الراحة واللذة، ورضي بالشقاء وأعطى كل وقته وحياته للولد أكثر من الوالدين؟ وبطبيعة الحال فليس هناك غيرهما من يستحق هذا، وليس غيرهما من يفعل ذلك من أجل الولد، فمن أن يكون حقهما عظيما وبرهما كبيرا، فالتشاغل عنهما، وعدم تلبية حاجاتهما، والعبوس في وجههما، وإيثار النفس بالمرغوبات، دونهما، والتهرب من خدمتهما، والتأفف من مساعدتهما، لهو نكران للجميل، ودليل على الحمق والجهل، وعنوان على الخسة والدناءة، يقول الله تعالى: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ....
البديهي
فأي عنف هذا واستخفاف بمشاعر الوالدين حينما يتجرأ الابن برمي والديه بكلمة أف أو بما يشير الى تضجره منهما وتبرمه، فما أحسبها إلا أن تقع على قلبيهما وقع السهام وهما يتذكرانه بالأمس بين
أحضانهما يطلب دفئا منهما وحنانا.
وكما ذكرنا في بحثنا هذا عن حاجة الأولاد إلى ما يعزز الجوانب العاطفية والنفسية في قلوبهم، وسقنا لذلك مثالا من القران الكريم لسيدنا لقمان حينما كان ينصح ابنه، ويتودد له بكلمات سهلة لينة تدخل إلى القلوب بلا استئذان"؛ فإن القرآن الكريم يحكي لنا أسلوبا مماثلا ولكن هذه المرة كان النصح من الابن إلى الأب، إنه سيدنا إبراهيم عليه السلام كان ينصح أباه الذي لم يكن على ملة الإسلام، بأسلوب عذب رقيق، تبدأ كل جملة فيه بكلمة ((يَا أَبَتِ ((المشعرة بالتلطف والرقة وغاية الإحترام، حتى إذا أخذت أباه عزة الكفر، وهدد إبراهيم بالرجم إن لم يتوقف عن النصح وطلب منه أن ما كان يهجره من إبراهيم إلا أن
الخراساني، سنن النسائي باب الرخصة في التخلف لمن له والدان رقم: 3103 ج 6 ص 10
الإسراء، الآية 23
. انظر صفحة رقم 20
- YA-