قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله
الجزء ١ · صفحة ٥٤اتضح سابقا أن قاعدة الأمور بمقاصدها تشمل تصرفات المكلف الفعلية والقولية، فالجانب الذي تشترك
فيه هذه القاعدة مع قاعدة إعمال الكلام هو الجانب القولي المتعلق بالكلام، ويمكن تقسيمه إلى نقطتين:
مع
?. تشترك هذه القاعدة قاعدة إعمال الكلام لتؤكد مبدأ مهما سبق وأن أشرنا إليه، أن وهو الكلام إذا احتمل معنيين دون مرجح فإن إعماله يكون بالمعنى الذي قصده المتكلم من كلامه، فالأصل أن يسأل عن قصده، حتى يرتب الحكم على المعنى الذي قصده، وإن لم يرتب أثرا شرعيا؛ بناء على قاعدة الأمور بقاصدها. ومثال ذلك: لو قل رجل لآخر: خذ هذا الكتاب، فكلامه إن خلا من قرينة قطعية، يحتمل قصده بكلامه خذ؛ البيع أو الهبة أو الإعارة، فيسأل عن قصده، ولا يلزم بأحد المعاني المحتملة، لأن الأمور بمقاصدها.
2. أما الموضع الآخر الذي تشترك فيه هذه القاعدة مع قاعدة إعمال الكلام والذي يظهر فيه التعارض، هو أن الكلام إذا كان لا يحتمل إلا معنى واحد وهذا المعنى يرتب أثرا شرعيا، إلا أن المتكلم لم يقصد ترتيب ذلك الأثر، فهل نرتب الأثر على الكلام بناء على قاعدة إعمال الكلام أم نهمله بناء على قاعدة الأمور بمقاصدها. ومثال ذلك: لو قال رجل: زيد زاني، ثم ادعى أنه يمزح ولم يقصد اتهامه بالزنى، فهل نعمل الكلام أو القصد؟ أيضا لو كتب الرجل لزوجته: طلقتك، ثم ادعى أنه أخطأ ولم يرد، الطلاق فهل نعمل الكلام أو نعتبر القصد؟ أيضا لو أقر رجل فقال: أقرضني محمد مائة ريال، ثم ادعى أنه قصد الهبة، هل نعمل الكلام أم نعتبر القصد؟ ذلك لأن المقاصد أمور باطنية، لا يمكن الاطلاع عليها إلا بإخبار المتكلم عن نفسه، والأصل في الكلام أنه يدل على تلك المعاني والمقاصد، فإن اتفق الكلام مع القصد فلا إشكال فيه؛ لأنه هو الأصل، فنطبق القاعدتين معا إعمال الكلام والأمور بمقاصدها، أما إذا اختلف الكلام مع القصد فبأيهما نحكم؟
. وهنا يظهر لنا تعارضا بين مقصدين مهمين في الشريعة الإسلامية (?)، جاءت القاعدتين لتحقيقهما: 1. استقرار المعاملات بين الناس والذي يتحقق بإعمال الظاهر من كلام المتكلم.
?. احترام مقاصد الناس: والذي يتحقق باعتبار قصد المتكلم بغض النظر عن الظاهر منه.
الفرع الثاني: قاعدة "العبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني (2):
(?) الزرقا، المدخل الفقهي، ج ?، ص 437.
(?) تذكر هذه القاعدة في أكثر كتب القواعد الفقهية، انظر على سبيل المثال: الزرقا، المدخل الفقهي، ج ?، ص ???.
54