قاعدة "القليل عفو في الشرع والعرف" وتطبيقاتها في المعاملات المالية المعاصرة الصوافي، خلفان بن يحيى بن خلفان

قاعدة القليل عفو في الشرع والعرف

الجزء ١ · صفحة ٤٤

المطلب الأول: الضوابط كمية محددة القدر)

الضوابط الكمية هي التي حددت بمقدار معين من قبل الفقهاء، وقد اختلف الفقهاء ابتداءً أيمكن التعيين

أم لا، فالجمهور يقولون بالتعيين، وأما بعض الفقهاء فقالوا بعدم التعيين (1)، والذين قالوا بالتعيين اختلفوا أيضا في مقدار القليل وأقوالهم تدور ما بين أقل من الثلث إلى حد النصف، وهي كالآتي:

القول الأول: الأكثر من النصف كثيرا وأقله يعتبر قليلا، وصاحب هذا القول الإمام أبو يوسف، وقد اختلفت روايته في تمام النصف، فجعله في حكم القليل في كتاب الجامع الصغير، وفي حكم الكثير في كتاب

الأصل (2).

منه

ودليل قول أبي يوسف هو أن القليل والكثير من المتقابلات، فإنما تظهر بالمقابلة، فما كان مقابله أقل فهو كثير، وما كان مقابله أكثر منه فهو قليل (3)، بمعنى أن الشيء لا يكون قليلا إلا بمقابلته الكثير، ولا يكون

الشيء كثيرا إلا بمقابلته القليل؛ فإذا سلّمنا بهذا فإن النصف ليس بكثير لأنه لا يقابله القليل

الناس.

واعْتُرِضَ على هذا القول بعدة اعتراضات من أهمها (5):

1. أن الشرع اعتبر – في كثير من المسائل الربع والثلث كثيرا في ذاتها دون مقابلة.

(4)

2. أن ما زاد عن الثلث وأقل من النصف هو كثير في أكثر أعراف الناس مما يوقع التنازع وعدم الوفاق بين

القول الثاني: الثلث آخر حد اليسير وأول حد الكثير، وعليه أكثر المالكية (6)، ودليلهم على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص حين قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي مِنْ وَجَعِ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلا بُنَيَّةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثْلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: فَقَالَ: «لا»: قُلْتُ: فَبِالشَّطْرِ؟ قَالَ: «لا» قَالَ: قُلْتُ: فَبِالثَّلْثِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ

(1) بدري سالم، معلمة زايد، ج 7، ص 248، 251.

(2) يُنظَرُ: الكاساني، مسعود بن أحمد (587 هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ت: محمد عرفان بن ياسين درويش، دار إحياء التراث

العربي، ط 2، 1998/ 1419 م، ج 1، ص 306.

(3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 1، ص 307. (4) يُنْظَرُ: الكاساني، بدائع الصنائع، ج 1، ص 233، 234.

(5) يُنْظَرُ: الكاساني، بدائع الصنائع، ج 1، ص 307

(6) يُنظَرُ: الريسوني، أحمد بن عبدالسلام نظرية التقريب والتغليب، دار الكلمة المنصورة، ط 1، 1431 هـ/2011 م، ص 310.

-36 -