قاعدة القليل عفو في الشرع والعرف
الجزء ١ · صفحة ٤٥تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تُرِيدُ بِمَا وَجْهَ اللَّهِ إِلا أُجِرْتَ بِمَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي امْرَأَتِكَ» (1)، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم حدد الثلث للوصية في حين أن الأصل لا يمتلك المورث من ماله شيئا بعد موته؛ لأن المال ينتقل إلى الورثة، فيكون هذا الثلث سائرا في أحكام قاعدة اليسير.
وقد اعترض على هذا القول عدة اعتراضات وهي كالتالي:
1. كيف ساغ القياس والتخريج بالحديث السابق مع أنه خاص بالوصية في عقود التبرعات، وإن صح القياس والتخريج فإلى أي حد يمكن الاعتماد عليه؟ (2).
2. أن هذا التحديد لا يمكن قبوله في كل شيء، إذ أكثر الأمور لا يمكن تقديرها بالثلث (3)، وذلك مثل التحرك اليسير في الصلاة فلا يمكن اعتباره ضابطا على كل أو أغلب المسائل. حتى قال الريسوني عند تعرضه لضوابط القليل ولهذا أرى أن الاعتماد على حد الثلث، وإن كان حلا ميسورا ومنضبطا، فإن الاسترسال فيه غير سليم، وغير مأمون" (4).
القول الرابع: مقدار الدرهم (5)، وإليه ذهب الحنفية (6)، ولكن يقتصر هذا التقدير في مسائل النجاسات دون غيرها من مسائل القاعدة.
ومن أدلتهم (7) التي استدلوا بها التالي:
(1) الفراهيدي، كتاب الأيمان والنذور، باب الوصية، ح 170، ص 152.
(2) يُنْظَرُ: الريسوني، نظرية التقريب، ص 312.
(3) يُنْظَرُ: الريسوني، نظرية التقريب، ص 312.
(4) الريسوني، نظرية التقريب، ص 313.
(5) قد اختلف العلماء في تقدير الدرهم أو الظفر والبعض قال بالدرهم البغلي والبعض قال ظفر يد الإبهام يُنظر: ابن جعفر، محمد بن جعفر (ت: ق 3 هـ)، الجامع، ت أحمد بن صالح وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 3، 1439 هـ /2018 م، ج 1، ص 210. (6) يُنْظَرُ: الكاساني، بدائع الصنائع، ج 1، ص 232. القرطبي، محمد بن أحمد بن رشد (595 هـ)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ت محمد كمال، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط 1، 1434 هـ/2013 م، ج 1، ص 220.
(7) الذين يردون هذا القول وهو قول الحنفية، يقولون أن الحديث موضوع باطل الذي استدل به الحنفية وهو حديث الدرهم عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم - قَالَ «تُعَادُ الصَّلاَةُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنَ الدَّمِ» وفي رواية أخرى «إِذَا كَانَ فِي التَّوْبِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ مِنَ الدَّمِ غُسِلَ الثَّوْبُ وَأُعِيدَت الصَّلاةُ» وقد روي في سنن الدارقطني، وفي الحقيقة الذي يتتبع كتب الحنفية لا يجد في كتبهم هذا الحديث، ولا يستدلون به أصلا يُنْظَرُ: الدارقطني علي بن عمر، سنن الدارقطني (385 هـ)، كتاب الصلاة، باب قدر النجاسة التي تبطل الصلاة، (دار ابن حزم، بيروت، ط 1، 1432 هـ / 2011 م)، ح 1، 2، ص 334.
-37 -