قاعدة القليل عفو في الشرع والعرف
الجزء ١ · صفحة ٥١المطلب الأول: الاستثناءات متفق عليها
الفرع الأول: الربا
تحريم الربا هو أحد الأحكام الإسلامية المهمة التي جاءت به الشريعة الإسلامية؛ لما
ينتج
عنه من
مفاسد
كثيرة في المجتمعات، وقد دلت كثير من النصوص الشرعية على تحريم الربا والتشنيع على من يرتكبه سواء كان
كثيرا أو قليلا.
وقد اتفق العلماء على تحريم قليل الربا (1)، وقد استدلوا بعدة أدلة منها:
بمفهوم
.1 يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبوا أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [ال عمران: (130)]. ووجه الدلالة منع العمل بمفهوم المخالفة في هذا السياق وهو جواز أكل الربا غير المضاعف؛ لأن السياق جاء لتشنيع هذا الفعل وهو واقع أهل الجاهلية آن ذاك، ويكون بهذا قد اختل شرط من شروط العمل المخالفة (2)، يقول ابن عاشور: " فلا تفيد مفهوما: لأن شرط استفادة المفهوم من القيود أن لا يكون القيد الملفوظ به جرى لحكاية الواقع، وإن كان الثاني فالحال واردة لقصد التشنيع وإراءة هذه العاقبة الفاسدة" (3)، هذا الأسلوب موجود في القرآن أكثر من موضع وهو تشنيع الفعل بأسلوب المبالغة مثل قوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لمَزَة الهمزة: (1)).
2 يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: ???]
وجه الدلالة في قوله: ﴿ما بقي من الربا﴾ أي ترك كل ما تبقى من الربا سواء القليل أو الكثير.
3. قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ" (4). وفي لفظ: " أَلاَ إِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِنَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا
(1) ابن القطان، علي بن القطان الفاسي (628 هـ)، الإقناع في مسائل الإجماع، ت: فاروق حمادة دار القلم، دمشق، ط 1، 1424 هـ / 2003 م، ج 4، ص 1776، 1779.
(2) الزركشي، محمد بن بهارد بن عبدالله (794 هـ)، البحر المحيط في أصول الفقه، ت: عمر الأشقر، دار الصفوة، الغردقة، ط 1، 1409 هـ / 1988 م، ج 4، ص 22.
(3) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 3، ص 218.
(4) النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي، ح 1218، ص 505.
-43 -