تحقيق كتاب معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين
الجزء ١ · صفحة ٣٢الموتى و تكثير الطعام وانقياد الحجر و الشجر، و غير ذلك، و خص بعضهم المعجزة، بما كان من النوع الثاني، و هو ما لا تتعلق به القدرة الحادثة، لا الأول: و هو ما تتعلق به، كالتلاوة، و عليه فتكون معجزة القرآن في نظمه المخصوص، و اطلاع النبي صلى الله عليه و سلم على ذلك دون سائر الناس، و كلا الأمرين ليس هو من فعله و لا من كسبه، و هذا الثاني، أظهر، قد يتحدى النبي بعدم الفعل، كما قال عليه السلام < قد عصمني ربي من إذاية الخلق بضرب أو قتل (?) و كما قال نوح عليه السلام > ﴿فكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ (2) الآية.
6
فالجواب: أن علمه و أخباره بذلك، على وفق ما ظهر، هو المعجزة، و هو فعل الله خلقه له، و لذلك زاد بعضهم و قال: المعجزة فعل أو ما يقوم مقام الفعل، و احترز بالخارق من المعتاد، فإنه يستوي فيه الصادق و الكاذب، و من المعتاد السحر و نحوه، و ما يوجد في بعض الأجسام من الخواص كجذب الحديد بحجر المغناطيس، فإن المعجزة لا بد فيها أن يعري وقوعها عن جميع الحيل المعتادة في
الكثرة أو النذور، و لأجل أن هذا النوع النادر من المعتاد لا يدل على شيء.
و قالت البراهمة: [قد استقر في أذهان العقلاء ما توصل إليه الحكماء، من العلوم، كالطلسمات و أنواع الحيل، لحجر الثقيل بالتخفيف (?)، و قد اشتهر في أسرار الموجودات عجائب، حتى أن من لم يعرف حكم حجر المغناطيس في جذب الحديد فرآه، تعجب من ذلك أول رؤيته، و قضى بأنه يخالف العادات، فما الذي يؤمنكم أن مدعي النبوة اطلع على علم من العلوم، و ظهر له أسرار الموجودات، ما إذا أتى به لمن لا يعرف ذلك؟ عده خارقا
الجواب، أنا أنما نستدل بالخارق، إذا علمنا أنه من قبيل المعجزة، و نحن نعلم قطعا أن إحياء الموتى، وقلب العصى حية، وإبراء الأكمة و الأبرص من غير معاناة، ليس مما يدخل تحت الحيل، و لا مما يتوصل إليه بغوص في هذه العلوم، قد تقترن بشي، قرائن تفيد العلم، و اليقين بأن ما أتي به ليس من قبيل ما
و
(?) - أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن في سوة المائدة، رقم الحديث (3046).
(?) - سورة هود، الآية (55)
(?) - ذكرت في المخطوطتين (ب) و (ج)، بالخفيف.
32