تحقيق كتاب معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين
الجزء ١ · صفحة ٣٥يعري ذلك الخارق عن صفة التصديق، بانعدام شرط من شروط المعجزة، فصارت صفة التصديق للخارق و الحادث كسائر صفات الأفعال الحادثة.
قد علمت أن اتصاف الحادث بصفة، بدلا عن نقيضها الجائز، يدل عقلا على و إرادة الفاعل: و هو الباري تعالى بذلك، لما تقرر أن الطبيعة و العلة لا يخصصان جائزا بالوقوع، بدلا عن جائز يساويه، الثاني: أن دلالتها وضعية كدلالة الألفاظ بالوضع على معانيها، قالوا: لأن المواضعة قد تعرف بصريح يدل على التواضع، كما لو قال شخص لآخر: إن فعلت كذا فاعلم بذلك، قصدي في طلبك، ففعل ما وضعه عليه فإن من وقعت منه المواضعة يفهم طلبة، على حسب ما واضعه عليه قد تعرف المواضعة بصريح من أحد المتواضعين، و بفعل من الثاني، من أن يسمع كلامه، فإذا قال شخص في محفل بمجلس ملك، و قد تأزر مجلسه بجمع، أنا رسول الملك إليكم، و آياني أن يخرق الملك عادته، و هو بمرأى من و مسمع منه، ثم قال: أيها الملك إن كنت صادقا في ذلك فأخرق عادتك، و قم، و اقعد، فأجابه إلى القيام و القعود، كان ذلك كالتصريح بالمواضعة، على أن خرق عادته بقيامه و قعوده، يدل على إرساله، و ظاهر كلام جماعة أن هذين القولين يرجعان إلى واحد و هو أن الدلالة عقلية إنما اختلف في تقرير كونها
، و
غير
الملك
عقلية و الأمر فيه كما قيل قريب
6
6
و
الثالث: أن دلالتها عادية، كدلالة قرائن الأحوال على خجل الخاجل، و وجل الواجل وخوف الخائف، قالوا: فإن خلق الله تعالى لهذا الخارق على هذا الوجه المفروض، تدل عادته على صدقه بالضرورة، فعلى الأولين يستحيل عقلا صدور المعجزة على أيدي الكاذبين، أما على الأول فلما يلزم عليه من نقيض الدليل العقلي، بأن يوجد و لا يوجد مدلوله، فيصير ذلك الدليل شبهة، و يصير العلم الذي استلزمه جهلا مركبا، و ذلك قلب للحقائق، و لا خفاء في استحالته، و أما على الثاني: و هو المواضعة فلما يلزم عليه من الخلف، في خبره تعالى، لأن حكم المواضعة في الفعل حكم الكلام الصريح ثم لما كان هذا يتوقف على معرفة استحالة الكذب على الله تعالى، ذكروا في بيانه استحالة عليه أوجها، أحدها: أن الله تعالى عالم بالأشياء كلها على ما هي عليه، فيكون أخباره على وفق ذلك،
6
35