تحقيق كتاب معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين
الجزء ١ · صفحة ٣٦فاستحال عليه الكذب، و هو: الخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه ذلك الشيء، و ذلك في حق مزعم علمه ما لا يتناهى محال، ثانيها: أن كل خبر تجرد إليه، فإنه يصح من العالم به أن يخبر على وفق علمه، فلو صح الكذب عليه تعالى، لوجب أن لا يتصف بجائز، و ذلك يمنع أن يتصف بضده الذي هو الصدق و هو محال، ثالثها: قد ثبت اتصافه تعالى بالكمال والصدق، صفة كمال فضدها: نقص، و النقص على الله تعالى محال، فوجب كونه صادقا، هذا بيان ما قرره القوم في وجه دلالة المعجزة، و لم أر لأصحابنا في ذلك نصا، غير أن شيخنا لما عرضت عليه هذا المقام استظهر الوجه الأول، و هو: الذي وقع في نفسي اختياره.
المقصد السادس:
بصدقه
6
و
إن قولنا أن دلالة المعجزة عادية بحسب القرائن، فحيث حصل العلم الضروري عنها بصدق الآتي بالمعجزة، فإنه يستحيل أن يكون كاذبا إلا إنقلب العلم الضروري جهلا، و لم يجز سبحانه و تعالى عادته من أول الدنيا إلى الأن إلا بعدم تمكين الكاذب من المعجزات، و إذا خيل بسحر و نحوه أظهر الله فضيحته عن قريب والله الحمد على معاملته في ذلك، و نحوه بمحض الفضل والكرم، و أجاز أن تظهر المعجزة على يد الكاذب، لو انخرقت العادة، و لا يحصل بها حينئذ علم، و إلا لكان الجهل علما، و تجويزنا خرق العادة عقلا عند حصول العلم في حق المحق، بمعني أن لو كان الواقع في حقه الكذب بدلا عن الصدق الذي علمنا وقوعه في حقه لما لزم منه محال، لا يقدح في علمنا بصدقه، إذ لا يلزم من جواز الشيء وقوعه، ألا ترى أنا نجوز استمرار عدم العالم، مع علمنا ضرورة بوجوده، إذ معنى الجواز أنه لو قدر واقعا لم يلزم منه محال لذاته، لأنه محتمل الوقوع، و حاصل ذلك أنه يجوز عقلا، على القول بأن دلالة المعجزة عادية أن تظهر على أيدي الكاذبين، و لا يكون العلم بنبوتهم حينئذ حاصلا، و إلا انقلب جهلا، إلا انه تعالى تفضل بعدم خرق العادة في هذا الأمر، فلم يظهر سبحانه المعجزة قط على يد كاذب، بل أجرى سبحانه عادته، بأن يفضح كل من أراد أن
36