تحقيق كتاب معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين (من ص364 إلى ص414) الرواحي، معاذ بن سالم بن أحمد

تحقيق كتاب معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين

الجزء ١ · صفحة ٣٧

يبرز بمنصب النبوة، و هو ليس من أهلها، هذا فيما علم بالأستقراء من عادته تعالى فيما مضى، و أما في المستقبل فقد كفانا الله سبحانه هذه المؤنة بحصول العلم القطعي، بأن النبي محمدا صلى الله عليه و سلم خاتم النبيين، فكل من ادعى بعده منصب النبوة فلا يقبل منه إلا الإسلام والسيف، و لا يلتفت إلى قوله و لا إلى الخارق الذي يظهر على يديه، و قد ألزم المعتزلة من يقول بأن الله سبحانه خالق لأفعال العباد، جواز صدور المعجزة على أيدي الكاذبين، من جهة أخرى، و هي أن قالوا: من مذهبكم أن الله يضل من يشاء، و من لا يتعين في حقه مراعات الصلاح و الأصلح فما الذي يؤمنكم من خلق خوارق العادات على وقف دعوى المدعين للنبوة، و يكون المراد من ذلك إظهار الضلالات.

لكن

فأما القائلون بالقولين الأولين في وجه دلالة المعجزة، فأجابوا على مقتضى الوجهين، أما على الأول فقالوا: نعم يجوز للبارئ سبحانه الاضلال بالمعجزة لاستحالة ذلك معها، كما يجوز خلق السواد في محل معين، و لكن لا مع وجود البياض فيه، و المعينة في النقيضين محال، و الإضلال بالدليل قلب للدليل شبهة، و للعلم الحاصل عنه جهلا و ذلك محال

و

أما على الثاني: فيجوز أن يضل لكن لا بالخلق في القول، و إذا كانت المعجزة تنزل منزلة التصريح بكلام ناص على التصديق، فلا يصح الاضلال بما يدل على التصديق، و إن كان بحكم المواضعة

و أما على القول الثالث: و هو أن الدلالة عادية فأمر الجواب أيضا سهل، و هو أن آية صدق النبي حصول العلم لنا على تلك المعجزة، فإذا حصل انتفى معه إحتمال عدم الصدق، لأن العلم لا يحتمل النقيض بوجه، و إلا انقلب جهلا، و تجويزنا عقلا، كذب المحق الذي تيقنا صدقه، و لا يقدح في العلم بصدقه، لأن معنى جواز الكذب في حقه أن لو وقع بدلا عن الصدق الواقع في حقه لم يلزم منه محال، لا أن معناه احتمال وقوع الكذب في حقه، و كثيرا ما نعلم وقوع أشياء علما ضروريا مع تجويزنا عقلا نقيض ذلك الواقع، و ذلك كعلمنا بوجو دنا، فإنه لا شك فيه عاقل، و إن كنا نجوز عدمنا، بمعنى أنه لو استمر عدمنا و لم نوجد أصلا لم يلزم منه محال، لا بمعنى أن عدمنا محتمل الحصول حال علمنا

بوجودنا.

6

37