مفهوم الحصر وأثره في استنباط الأحكام الشرعية
الجزء ١ · صفحة ٣٠أن
تقديم المعمولات لا يفيد الحصر وإنما يفيد الاهتمام 58، واستدلوا بأدلَّة، منها: أن قوله تعالى: بل الله فاعبد " [الزمر: 6] قد ورد في موضع آخر: " فاعبد الله " [الزمر: 2] فيلزم أنَّ المؤخر يفيد عدم الحصر لكونه يقتضيه، ورُدَّ عليهم بأنَّ ذلك لا يستلزم حصراً ولا عدمه، ولا يلزم من عدم
إفادة الحصر إفادة نفيه لا سيما و ذكرُ كلمة " مخلصًا " في قوله تعالى: " فاعبد الله مخلصاً " مغنٍ عن إفادة الحصر.
59
واستدل الجمهور على إفادة تقديم المعمولات للحصر بما ورد في النصوص الشرعية وكلام العرب، من إفادة التقديم للحصر، كقوله تعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين " [الفاتحة: 5]، و قول العرب:
تميمي أنا، ورد عليهم بأنَّ الحصر في الآية مستفاد من خارج و هو أنَّ قائليه: أي المؤمنين لا يعبدون غير الله، وقد ورد تقديم المعمولات في آيات أخرى ولا يدلُّ على الحصر، كقوله تعالى: "وَكُنا لِحُكمهم شاهين الأنبياء: 73 1، فإنَّه لا يدلُّ على أنه لم يشهد إلَّا حكمهم، و " قوله تعالى: " إذ نَفَشَتْ فيه غَنَمُ القومِ " [الأنبياء: 87]، فإنّه لا يدلُّ على أنها ما نفشت إلا فيه.
والذي أميل إليه من هذين القولين هو أنَّ تقديم المعمولات لا يفيد الحصر بذاته، وأنه يفيد الاهتمام والعناية في الأصل، فإن دل على الحصر فلأمر خارج عن ذات الكلام، أو لقرينة دلت على الحصر، و يشهد لهذا القول الآيات الكثيرة في القرآن الكريم والتي تقدمت فيها المعمولات على عواملها ولا تدلُّ على الحصر.
ولا خلاف عند القائلين بإفادة تقديم المعمولات للحصر بأنَّ ذلك مستفاد بالمفهوم لا المنط
(59) انظر: السيوطي، شرح الكوكب الساطع في نظم جمع الجوامع، ج 2، ص 65.63، الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 139، ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 3، ص 521 523. (60) انظر: ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 3، ص 523.
30