دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ١١٧عبد الوهاب أيضا ذهب أبو غانم بشر غانم الخرساني إلى تاهرت لعرض أعماله على الإمام. وظلت الاتصالات الثقافية بين الجماعتين قائمة مترسخة، وكان المؤتمر السنوي للإباضيين يعقد في أثناء الحد فكانوا يلتقون في مكة لتبادل الأخبار ومقارنة الملاحظات.
وبوجه عام كان الدور الذي لعبه إباضيو شمالي إفريقية في تطوير الفكر الإباضي ضئيلا، لكنهم حافظوا عليه من الناحيتين النظرية والعملية. وبعد رجوع ((حملة العلم))، برز عدد من العلماء الكبار بين إباضيي المغرب عرفوا بطلبة ((حملة العلم))، ومنهم: عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وعبد الخليل الدركلي، ومحمد بن يانس، وآخرون.(1) وبعد تأسيس مدينة تاهرت، عاصمة الإمامة الإباضية، تحولت هذه المدينة إلى أحد أهم المراكز لبث التعاليم الإباضية. وكان الأئمة أنفسهم يؤدون دورا في التعليم وكتابة الكتب؛ وكانت هنالك مراكز أخرى في نفوسة وفي أماكن أخرى في المغرب. وبعد انهيار إمامة تاهرت انتقلت نشاطات الإباضية الفكرية إلى وارجلان ووادي ريغ. كذلك أصبحت جزيرة جربة أحد المراكز الثقافية الرئيسة نتيجة نشاطات مجلس العزابة في المنطقة.(2) ولعب جبل نفوسة، برغم ضعف اتصالاته بإمامة تاهرت بعد معركة مانوا بوجه الأغالبة سنة 283/ 896 دورا مستقلا تقريبا في الحفاظ على التعاليم الإباضية؛ ونشأت مراكز ومدارس عديدة في مناطق مختلفة في الجبل لتعليم العقيدة الإباضية. ونشأ عدد كبير من العلماء الإباضيين الكبار بين الجماعات الثلاث في جبل نفوسة، وجزيرة جربة، ووسط شمالي إفريقية أي جنوبي تونس والجزائر، وأسهموا في الدراسات الإباضية إسهاما كبيرا. ولا تزال الغالبية من هذه الأعمال الهامة التي كتبها هؤلاء العلماء عبر القرون موجودة وهي تستحق اهتماما أكاديميا خاصا بها.
(1) - عن سيرتي أبي خليل ومحمد بن يانس، انظر ليفتسكي: مصدر سابق، 27 - 30؛ 87، 101.
(2) - عن إباضية جربة انظر علي معمر ((الإباضية في تونس))، بيروت، 1966.