دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ١٣١ولم يعتمد الفقه الإباضي خلال تاريخه الطويل إلا على مواد إباضية مروية من قبل علماء إباضيين. أما مجموعات الأحاديث السنية الأخرى فلم تستخدم في أية مرحلة. والواقع أن أول عالم إباضي في شمالي إفريقية ذكر بعض مجموعات الأحاديث السنية في أعماله هو أبو يعقوب الوارجلاني من القرن السادس للهجرة.(1) وحتى زمن البرادي كان الإباضيون لا يزالون يثبطون استخدام مجموعات الأحاديث السنية. ونصح البرادي في رسالته ((الحقائق)) الطلبة الإباضيين أن يمتنعوا عن قراءتها ما أمكن(2) وهكذا فإن النظام الفقهي الإباضي كان قائما على مواد ترويها المصادر الإباضية فقط. وتطور، خلال تاريخه، في إطار هذه المواد. ولا يمكن فهم طبيعة التشريع الإباضي إلا بدراسة مواده ومراجعه الأصلية، والظروف التي أدت إلى تأسيس الحركة الإباضية ووجهت نموها وتطورها. ونظر الإباضيون إلى الفترة الأولى في عهد الخليفتين الأولين بإعتبارها العصر المثالي الذي بعده أخذت البدع والشهوات الدنيوية تسبب في فساد المجتمع الإسلامي من حيث الحياة الدينية والسياسية؛ فهدفهم هو التمسك بالمثال الذي سنة الرسول، وخليفتاه والصحابة المستقيمون، وإعادة ترسيخ المجتمع على نفس أسس المجتمع الإسلامي أول. ولذلك اختار الإباضيون مصادرهم من الصحابة و التابعين الذين عاصروهم ورووا الأحاديث والآثار عن أولئك الذين اعتبروهم من وجهة نظرهم، مسلمين حقيقيين.
وقد جرح الإباضية عددا من الصحابة؛ والحجة الإباضية لهذا الموقف مذكورة في ((العدل والإنصاف)) للوارجلاني(3) وهنالك عمل آخر خاص بهذا الموضوع، هو ((كتاب التخصيص)) للعلامة العماني أحمد بن عبد الله النزوي (ت 557/ 1161). وبالنسبة للتابعين ولتابعيهم، حتى زمن قيام المذاهب الشرعية المختلفة، فقد كانوا جميعا متأثرين بالفتنة الأولى، وكانوا إما شيعة لعلي أو
(1) - الوارجلاني ن الدليل، 35 ب.
(2) - البرادي، رسالة في الحقائق، مخطوطة 23.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، مخطوطة 11، 85 وما يليها