دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ١٩يترك مهنة التدريس إلى مهنة الرعي، ويودع أبهاء الجامعة إلى قمة الجبل، ويستبدل بأضواء المدن والعواصم، سكون الصحراء وهدوء الجبل ويكتفي بشظف العيش وخشونة الملبس عن رفاهية المدينة ورقة حواشيها، فاشترى قطيعا من الأغنام فذهب إلى ظاهر (نالوت) مسقط رأسه ومرابع ذكرياته ومقر أسرته وأهله، وفي هذا القرار الصعب احتجاج صارخ وإدانة موخزة للنظام الليبي الذي كان يبلغه بعمله هذا أن لا مكان للثقافة وحرية الرأي في هذه البلاد.
وأحسب أن عمرو النامي اختار هذه المهنة أسوة بالأنبياء والرسل فمن شأن هذه الحياة الهادئة البعيدة عن صخب المدينة وبريقها الزائف أن تقرب المرء من نفسه وتجعله يعيش في روحانية مطلقة، كان ذلك اختيار عمرو النامي على الرغم من أنه يمثل المسلم الحركي والمثقف الاجتماعي، والأديب صاحب الرسالة الصادقة.
وقد عبر عن هذا التحول الجذري عن حياته في قصيدة يقول فيها مخاطبا ابنه:
يكفي أباك لكي يعيش مكرما = عجفاء ثاغية، وتيس أجرب
ونعيش في قنن الجبال تظلنا = ويحيطنا بالحفظ قفر سبسب
جيراننا وحش الفلاة فلا يرى = فيها سوى سبع سيسح وثعلب
وهناك لا نخشى سوى ذئب الفضا = يعدو على تلك الشياه فينهب
والوحش وحش لا يلام لبطشه = هو في طبيعته يغير ويغضب
فلقد نعيش هناك عيشة هانئ = ولقد يسالمنا الشجاع المرعب
غير أن أعين الجواسيس لاحقته وهو في عزلته، وطاردته وهو في صحرائه ومع شويهاته، ولم يسالموه حتى يحقق مشروعه، أو يعيش عزا كريما كما كان يمني نفسه بذلك دوما.