دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي] عمرو بن خليفة النامي

دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]

الجزء ١ · صفحة ٢٩٢

وبعد وفاة جابر بن زيد سنة 93 انسحب الإباضية من بين السكان الذين يحيطون بهم في منطقة سرية راحت تتطور وتحتفظ بعقيدتها. ومنذ ذلك الوقت احتفظ المذهب الإباضي بخصائصه المستقلة التي تعرض التعاليم الإسلامية في الأحاديث والآثار التي رواها تابعون عن صحابة النبي عليه السلام. وقال الأستاذ سرجنت في حديثه عن الزيدية إن: ((الزيدية، على ما يبدو، يمثلون في المراحل الأولى من تطورهم شكلا من الإسلام أقرب ما يكون إلى الشكل التيوقراطي البدائي للإيمان)).(1) ولكن هذا الوصف أكثر انطباعا على الإباضية منه على الزيديين لأن نظامهم التشريعي وعقائدهم وضعت في فترة سابقة. ثم إن المراجع الإباضية تؤيد هذا الرأي وتعترف بأن الزيدية، بين المذاهب الإسلامية، هي الأقرب إليها. ويشير أبو عمار عبد الكافي إلى ثلاثة فروق فقط بين المذهبين، هي قولهم بمسألة الإمامة؛ والموافقة على قبول علي للتحكيم، واعتبارهم القائلين بأن الله سوف يرى في اليوم الآخر مشركين.(2)

إن تأسيس المدرسة الإباضية على يد جابر بن زيد، المحدث البارز، وتطورها بفضل جهود أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ورفاقه، كمؤسسة ثقافية، حال دون وقوع قيادتها إلا في يدي من هم الأكثر استقامة وعلما، سواء في عهد السرية أم في هد الظهور. ثم إن الفقه الإباضي الذي بني على حصيلة مواد روتها المراجع الإباضية فقط، استخدم الأساليب نفسها كبقية المدارس الإسلامية في تكوين الآراء. على أنه يسهل تمييز المدرسة الإباضية من حيث إن نظامها التشريعي، شديد الاهتمام بتصرف أتباعها الخلقي؛ أو بكلام آخر، من حيث التقييد بروح الشرع وبحرفيته. والمثال على ذلك، يظهر في الأفعال التي تنقض الصيام والوضوء، وهي التي يتفرد الإباضية فيها باعتبار جميع الأفعال المنافية للأخلاق كالكذب، والقذف وما أشبه، والإصغاء للقذف أو الموسيقى، الخ،

(1) - آربري (محقق)، الدين في الشرق الأوسط، مادة ((الزيديين))، 2/ 285 [انظر في نقضه على الزيدية ط. عمار طالبي 2/ 250 وما بعدها]

(2) - أبو عمار عبد الكافي، الموجز، مخطوطة 2/ 124.

٢٩٢ / ٣٢٢