دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣والنظر إلى منازل الآخرين، أو النظر إلى النساء الأجنبيات الخ. وفي هذا المجال كان نظام الولاية والبراءة الذي طوره الإباضية مبنيا على التقيد التام بالالتزامات الدينية ليتخذ الرجل وليا وبالتالي جميع الحقوق التي يستحقها من إخوانه الإباضية. ومثل هذا الموقف بالنسبة للسلوك الخلقي للشخص كان يغطي نواحي أخرى من الإيمان كاستثناء مرتكبي الكبائر من حق شفاعة النبي في اليوم الآخر، والاعتقاد بأن مرتكبي الكبائر خالدون في جهنم ما لم يتوبوا قبل الموت. وهنالك أيضا مميزات خاصة أخرى للمذهب الإباضي كتعطيل عقوبات الحد في أثناء مرحلة الكتمان، ثم القوانين الموضوعة لهذه المرحلة السياسية الدينية. وفي المنظومة التشريعية والدينية هنالك عدد من النقاط التي تختلف فيها المدرسة الإباضية عن بقية المدارس الفقهية الإسلامية أو عن بعضها، مرد هذا إلى النصوص التي تستند إليها النقاط. وهنالك حالات أخرى كانت المواد المعتمدة من قبل الإباضية غير معروفة للسنة أو للمراجع الشيعية، والعكس صحيح.
والخاصة الأساسية الأخرى هي أن الإباضية فهموا أن الدين وحدة واحدة في نواحيه السياسية، والروحية، والفقهية يجب تنفيذها في الحياة في وقت واحد. وحين يصار إلى تعطيل إحدى هذه النواحي في مرحلة معينة من المجتمع الإباضي، فليس ذلك عن إهمال، ولكن كعمل مقصود تتطلبه المرحلة الحالية التي يمر فيها المجتمع تشبها بحياة النبي العملية وهي التي يجب أن تؤدي إلى الخطوة التالية في تنفيذ جميع تعاليم الدين في ظروف مناسبة. والظاهر أن ذلك هو السبب الذي من أجله، على سبيل المثال، لم يقبل الإباضيون بالصوفية، لأنها توجه نشاطات المسلمين بصورة رئيسة إلى الجانب الروحي ولا تعني كثيرا بنواحي الدين الأخرى. ومن أولى التعليقات على هذه المسألة ما قاله محمد بن محبوب (ت. 262 هـ) في سيرته إلى الإباضيين في حضرموت: ((عرفنا أن هنالك أناسا في بلادكم يتعبدون بلباس الصوف في الصيف ويتشككون في قتال أهل البغي بالسيف.(1)
(1) - محمد بن محبوب، سيرة، مخطوطة، 279.