دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ٥٨ويدل هذا العرض لتطور جماعة المحكمة على أن زعماء المذهب الإباضي لم يدخلوا أي عقائد جديدة على مسألة ((الخروج)) أو على العلاقة بين الأعضاء وبقية المسلمين في زمن السلم والحرب، وكل ما فعلوه هو مواصلة نشر العقائد الموضوعة من قبل سواء في أثناء الحروب بين علي وطلحة، أم تلك التي أرسها أبو بلال في وقت لاحق. ورفضوا من ناحية أخرى، آراء نافع بن الأزرق وسواه من زعماء الخوارج المتطرفين كنجدة وداود، لخرقهم تلك الأصول الموضوعة من قبل أسلافهم. وقد عبر سالم بن ذكوان عن الموقف الإباضي بالعبارات التالية:
فأمرنا تبع لأئمة المسلمين قبل نزول للمسلمين يوم قتلوا عثمان، ويوم الجمل، ويوم أنكروا تحكيم الرجال في دينهم. وأرينا اليوم لرأيهم تبع يومئذ، وتأويلنا القرآن اليوم لتأويلهم يومئذ تبع. لسنا ممن يزعم أنه أفاد علما في القرآن والسنة حتى غلبهم)).(1) هكذا فهم الإباضية حكمهم الذي لم يكن بالنسبة لهم سوى استمرار لحكم المحكمة قبل انفصال نافع والخوارج المتطرفين. ولذلك نظروا إلى الخوارج المتطرفين بأنهم ((المارقة)) أي الذين تجاوزوا الدين، وطبقوا عليهم الوصف المعروف المذكور في حديث شهير للرسول،(2) وهو: ((يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تنظر في النصل فلا ترى شيئا ثم تنظر في القدح فلا ترى شيئا ثم تنظر في الريش فلا ترى شيئا وتتمارى في الفوق)).(3)
(1) - سالم بن ذكوان، سيرة 220 – 221
(2) - البرادي، البحث الصادق والاستكشاف، 1/ 35؛ الوارجلاني، الدليل، مخطوطة، 13 ب – 14 أ. وهنالك بحث تفصيلي لمسألة ((المارقة)) في سيرة شبيب بن عطية حيث رفض تطبيق الحديث عن المارقة على مجموعة المحكمة، كما غلب أن يفعل السنة.
(3) - هنالك نصوص مختلفة لهذا الحديث مذكورة في مجموعات الحديث. ويرد النص الإباضي في مسند الربيع بن حبيب، 1، 15 [ط. دار الحكمة 1955، رقم 36]؛ انظر أيضا: السالمي، حاشية الجامع الصحيح (القاهرة، 1326) 1/ 56 – 60. وترجمة هذا الحديث هنا منقولة عن فنسنك.