دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ٩٦أربعين سنة من حياته يتعلم، ثم أنفق أربعين سنة أخرى في التعليم.(1) ولا شك أن تطور الحركة الإباضية ونمو تنظيمها، وانتشار حركتها السريعة في اليمن، وعمان، وخرسان، وشمالي إفريقية، ويعود إلى أبي عبيدة وقدراته الطبيعية كعالم وكرجل سياسة معا.(2) وقد لعب الدور الأكبر باعتباره القائد الأكثر نجاحا للحركة الإباضية في أثناء الفترة الأخيرة من العهد الأموي وبداية العهد العباسي. وقد ذكر الشماخي أن أبا عبيدة توفي في خلافة أبي جعفر المنصور (136/ 735 – 158/ 774).(3) وسبق أن ذكرنا أنه عاش ثمانين سنة قضاها في التعلم والتعليم، ولذلك يمكن القول إن أبا عبيدة عاش في الفترة التي تبدأ بنهاية النصف الأول من القرن الأول حتى نهاية النصف الأول من القرن الثاني. ثم يشار أيضا إلى أنه أصبح زعيم الحركة الإباضية بعد أن أطلق سراحه من السجن سنة 95/ 713، بعد سنتين من وفاة جابر بن زيد.(4)
ولإدراك الطابع المميز لأبي عبيدة والناحية الخاصة التي ميزت شخصيته، لا بد لنا من الإشارة إلى تأثير شيوخه. فهناك أولا عروة بن أدية؛ وهو رجل قوي وتقي ذو خبرة واسعة بالنزاع السياسي والديني الذي وقع في أثناء الحروب الأهلية بين علي ومعاوية. وكان أول من رفض التحكيم وحارب عليا في معركة النهروان، ثم قتله عبيد الله بن زياد في وقت لاحق. ووصفه خادم عروة إلى عبيد الله كما يلي: ((ما أتيته بطعام بنهار قط، ولا فرشت له فراشا بليل قط))،(5) وقد قصد بذلك أنه كان يصوم باستمرار في أثناء النهار، وينفق الليالي في الصلوات. ولابد أن أباب عبيدة، وهو مولى عروة، قد تأثر به إلى حد بعيد. وكان شيخه الآخر صحار العبدي خطيبا مفوها، ونسابة عظيما، وهو مؤلف كتاب في الأمثال،(6) وكان فقيها
(1) - البغطوري، سير، 3.
(2) - ليفتسكي، مادة الإباضية، الموسوعة الإسلامية، ط 2.
(3) -) الشماخي، سير، 91.
(4) - انظر ما تقدم 68.
(5) - المبرد الكامل، 3/ 910.
(6) - ابن النديم، الفهرست، 132؛ ابن سعد، طبقات، 7/ 61؛ ابن قتيبة، المعارف.