دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي] عمرو بن خليفة النامي

دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]

الجزء ١ · صفحة ٩٧

كذلك.(1) وكان شيخه جابر بن زيد ضليعا في الشرع، ومحدثا بارزا. ولما كان أبو عبيدة قد درس على هؤلاء العظام فإنه امتلك صفاتهم جميعا؛ كان زاهدا، وعابدا تقيا،(2) وخطيبا مفوها،(3) ومدرسا ممتازا، وعالما كبيرا، وسع ميادين الفقه والكلام والحديث. وأخيرا، فإنه كان ذا قدرة تنظيمية ممتازة.

وفي ميدان العقيدة الإباضية، نهج أبو عبيدة نهج جابر بن زيد نفسه، إلا أنه إسهامه بالآراء الفقهية كان أكبر لكي يواجه المشاكل في هذا الميدان. ولعل ذلك عائد إلى تأثير مدرسة صحار العبدي أيضا. وسار أبو عبيدة في فتاويه على نفس نهج سلفه، جابر بن زيد، وهو الذي كان فخورا به جدا، وقد قال: ((كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه، فهو في ضلال. ولولا أن الله أنعم عليما بجابر بن زيد، لضللنا.(4) وكان مثل شيخه يحترم الصحابة وآراءهم بنفس الدرجة. من أمثال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام، وهم الراسخون في العلم وهو القائل عنهم: وعلة آثارهم اقتفينا وبقولهم اقتدينا وعلى سيرتهم اعتمدنا وعلى مناهجهم سلكنا)).(5)

والطريقة التي نهجها أبو عبيدة هي أن يتمسك بقوة بتعاليم الصحابة والتابعين، لا أن يتبع أي مسار قد يبعده عنهم. وعنده أن أتباع السنة دليل على تقوى المسلم. وقد نقل عن ابن عباس أنه قال: ((من روى حديثا يدعو إلى الصلاح، ثم بذل جهده في إتباعه، كما رواه فإنه له أجرين، أجر الحفظ، وأجر العمل؛ وإذا لم يكن الحديث كمما رواه، فهو ينال الأجر نفسه، لأن الله لا يضيع أجر من عمل صالحا؛ ولن يضيع الله أجر العمل الصالح والعبادة إلا إذا كان العمل بدعة(6)

(1) - الشماخي، سير، 81.

(2) - ابن مداد، صفة، 30.

(3) - من كلام لأحد طلبته عبد الله بن عبد العزيز. مقتطفات من مجموعة البارونية، جربة.

(4) - أبو عبيدة، مسائل، مخطوطة 37؛ الجيطالي، شرح النونية، 1/ 47.

(5) - المصدر السابق.

(6) - الجيطالي، قناطر الخيرات، طبعة من تحقيقي (المؤلف)، المقدمة، 17 – 18.

٩٧ / ٣٢٢