مسالك الدين وأثرها في الحفاظ على الوجود الإباضي
الجزء ١ · صفحة ٣٢مسالك الدين
وأثرها في الحفاظ على الوجود الإباضي
يكن قبوله لهذه الخطة من أجل الإثراء ومؤازرة الثقفيين في ظلم قرابته وذويه وبني بلده، وإنما هو التخطيط المحكم للمستقبل لتخليص البلاد من كل عسف واستبداد" (?)، فقام أولا بالنصح والإرشاد والخطب تذكيرا بالله وعذابه ترغيبا لرضوانه وثوابه، ثم زجرا ووعيدا بأن حق الله أولى وأقدم من حق ممن يدعي الإسلام أو يظهره ولا يطبق تعاليمه وحدوده أو يخالف ما تركه النبي الكريم، وكان لا يرمي إلا بعد ما يبدأ الطرف المخالف وهذا ما تشهده كتب التاريخ وسير
الأتقياء.
إن الحق الذي سار له طالب الحق فداء نفسه هو ومن معه من الأبطال؛ لدليل بين على أنه حق الله وشهادة لأجل الله، وذلك أن من يرى الحق ويتبعه ولا يلقي بالا لروحه ويتركها رخيصة لدين الله؛ لهو قطعى الصلة بالمراد تحقيقه لأن أهل الضلال هم من أكثر الناس تعلقا وتمسكا بالحياة مصداقا لقوله تعالى: {وَلَتَجِدَتَهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعمرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ النشرة:
17
(96)]، فهي في أعينهم كتر لا يفنى، وحياة لا تبلى وأنها المتاع الدائم خلافا للمؤمن الذي يشري نفسه ابتغاء مرضات الله واصلاحا للفساد، والنهي عن المنكر، كما كان أصحابنا رضوان الله تعالى
عليهم.
إن طالب الحق بعد الحكام والمحكومين قبيحة؛ قال لأصحابه ما رأى الجور والعسف و.
ما يحل لنا المقام على ما نرى ولا يسعنا الصبر عليه، وقد كان من تلاميذ الإمام الكبير أبو عبيدة فكتب إلى شيخه يطلب الإذن فشاور أصحابه في الخروج فكتبوا إليه: "إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولست تدري متى يأتي عليك أجلك؟ والله خيرة
(?) نفحات من السير فرحات الجعبيري، ج (3) - (4)، ص (7)