قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١١٣الاستدلال العقلى والنقلي:
استعان العوتبي بالعقل والنقل على صحة ما يقول فاستخدم القياس المنطقي الذي يعتمد على العقل، كما استخدم الأدلة النقلية على حد سواء، ومن أمثلة ذلك استدلاله على بطلان قول من قال المحرم منه أى الخمر الذي أسكر دون مالا يسكر، وإن الشربة التي تسكر هي الحرام) (1). يقول العوتبي في إثبات بطلان ذلك: إن كان الاختلاف بين الناس في الخبر على ضربين فسد أحدهما وصح الآخر، والنظر يوجب أن الخبر، إذا كان صحيحاً قول من قال إن الشربة التي حدث معها السكر هي المحرمة دون غيرها أن ذلك إغفال ممن قال به، إذ محال أن يحرم النبي الله الشيء بعد فعل الفاعل له، ومحال تحريم الشيء بعد فعل الفاعل له، وإنما حرم شرب المسكر قبل شربه وغير جائز أن يحرم شيئا ويكون ذلك الشيء المحرم غير معلوم، إذ لو كان ذلك كذلك لما وجد العباد السبيل إلى الطاعة لأن المتطوع متى قصد إلى فعل ما أمر بفعله، أو ترك ما أمر بتركه وهو عالم به فغير جائز أن شيئا ولا يدل عليه بدليل أمر هو به فلما استحل ما ذكرنا عندنا وعند من اختار غير اختيارنا علمنا أن الله حرم قليل السكر وكثيره على لسان نبيه له، وفي صحة ما اخترنا دليل على إبطال من قال إن المحرم الشربة التي تسكر. والله أعلم (2).
يحرم
الله
يبرز العوتبي هنا كعالم من علماء الكلام في استدلاله العقلي عن طريق الفروض الجدلية ليصل إلى صحة ما اختاره في النهاية.
ويورد بعد ذلك الأدلة النقلية على تحريم الخمر من الحديث والأخبار. وفي هذا المجال ومثله يحرص على ذكر سند الحديث ليؤكد صحته ويقطع اللجج، يقول: «والأخبار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم - مع اختلاف الرواة لها، وتفاوت ما بينهم واختلاف معانيهم- أنه حرم المسكر، وقال «كل مسكر حرام». وقد قيل ملء الكف حرام، وقال: القطرة حرام.
وعن جابر، يرفع عن النبى الله أنه قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». وروي عن عائشة عن النبي و أنه قال: «ما أسكر الفرق منه فملء الكف حرام، والقطرة حرام والجرعة منه حرام» (3) وهذا الحديث وغيره والأخبار والروايات كلها تفسد قول من أجاز شرب النبيذ المنهي عنه الذي من شرب منه سكر، وإنما أجازت الأحاديث والروايات الشراب من غير الخمر إذا لم يكن مسكرا، مما لم يكن في الأصل مسكرا، أو لم
يكن خمرا، ولا من وعائه.
(1) الضياء ج 4 ص 188. (2) الضياء ج 4 ص 189. (3) ميزان الاعتدال 10408
113