قراءات في فكر العوتبي الصحاري مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر العوتبي الصحاري

الجزء ١ · صفحة ١١٨

وأما ما يكون ذا شيء وليس بصاحب صنعة يعالجها فإنه مما يكون «فاعلا»، وذلك قولك لذى الدرع (دارع)، ولذي النبل (نابل)، ولذي النشاب (ناشب)، ولذي التمر (تامر)، ولذى اللبن: (لابن).

والمعنى النحوي ليس منعزلا بطبيعة الحال عن النص، ولا يمكن أن يكون كذلك. ولذلك ينبغي النظر دائماً إلى المعنى النحوي بوصفه الجديلة المزدوجة المفتولة بإحكام من المفردات والنظام النحوي معاً المنصهرة في بوتقة «الاختيار» بينهما، بحيث تكون دلالة الكلمة الحقيقية في سياق بعينه جزءا من دلالة الجملة كلها، ومن هنا تكون دلالة الكلمة حصيلة لاجتماع المعنى النحوي والمعنى المعجمي في سياق مخصوص (1).

ويقول عبد القاهر الجرجاني في الجمع بين المعنى النحوي والسياق: «فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صواباً، وخطؤه إن كان خطأ، إلى «النظم»، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو من معانى النحو قد أصيب به موضعه (2).

ويقول في موضع آخر وإذ قد عرفت أن مدار أمر النظم» على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لاتجد لها ازدياداً بعدها. ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها، ومن هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض» (3).

-

ويتخذ الدكتور محمد حماسة هذه المقولة، وهى تكون دلالة الكلمة من المعنى المعجمي والوظيفي والسياق معا منطلقا إلى القول ان الأسلوبية التطبيقية» التي تتعامل مع جانب واحد من جوانب النص والإحصائية منها على وجه الخصوص أسلوبية جافة (4). واستطاع عبد القاهر من خلال مفهومه للنحو أن يستكشف جوانب خصبة في التراكيب، فربط نظامها بالفكر اللطيفة، وكان مدخله لمناقشة قضية الإعجاز القرآني، وأطلق على نظريته كلمة دقيقة هي «النظم».

والأسلوب أو النظم عند عبد القاهر هو ترتيب مفردات اللغة ترتيباً مبنياً على العلاقات النحوية، أو معاني النحو كما يسميها، واعتبر الألفاظ رموزاً للمعاني، «فإذا وجب لمعنى أن يكون أولاً في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولاً في النطق» (5) فالفكر لا يتعلق

(1) انظر: د. محمد حماسة عبد اللطيف، النحو والدلالة، مطبعة المدينة مصر 1983 م ص 173. (2) دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر مكتبة الخانجي مصر 1984 م ص 82، 83

(3) المرجع السابق ص 87 (4) د. محمد حماسة، النحو والدلالة ص 173.

(0) دلائل الإعجاز ص 52.

118