قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١١٩باللفظة المفردة، وإنما يتعلق بما بين المعانى من علاقات والنحو بإمكاناته الواسعة هو الذي يقدم للمبدع كل الاحتمالات الممكنة في تكوين الجملة بحيث يكون النظم عملية تسلسل تركيبي للإمكانات الاستبدالية والقدرة التوزيعية، وفي مقولتهم عن انتهاك اللغة وانحرافها عن النمط المألوف، وذلك باخضاعه المجاز لسيطرة النحو وعلاقاته التركيبية. إن لم نقل إنه جاوزهم بمقولته عن تجدد المواضعه تبعاً لتجدد الاستعمال.
وقدم عبد القاهر كثيرا من النماذج محللا لها، كاشفا عن نظامها النحوي، موضحاً للعلاقات التركيبية في هذا النظام، وما لكل ذلك من أثر في الدلالة، وصولاً إلى فردية الاستعمال وما يترتب عليه من وجود مناطق نحوية أثيرة يتحرك فيها كل مبدع. ويكاد يكون المجاز ممثلا لأكبر قيمة في انتهاك النظام اللغوى والخروج على مألوفه، والعدول فيه يبدو وبشكل بارز في تحديد مفهومه على المستوى اللغوى أو المستوى الاصطلاحي، مما جعل له دوراً بارزاً في الدلالة ومباحثها، ودوراً بارزاً في خلق الصورة الفنية من خلال مباحث الاستعارة والكناية والتمثيل.
وهكذا اقترب النقد العربي القديم في حركته، أو بمعنى آخر اتصل بحركة الدرس الأسلوبي، يتمثل ذلك في عملية التمازج بين النقد والبلاغة والنحو، حيث أصبحت بحوث النحويين المنهجية وسيلة لتقييم الأسلوب ورصد، خواصه مثلما نجد في الحديث عن التعجب والاستفهام -مثلا- وخروجهما عن الغرض الأصلي إلى أغراض إضافية تمثل قيما جمالية تعبيرية في النص الأدبي (1).
والأسلوب عند ابن خلدون هو المنوال الذي ينسج فيه التركيب أو القالب الذي فرغ
فيه (2).
وهو عند حازم القرطاجني «هيئة تحصل عن التأليفات المعنوية والنظم، وهيئة تحصل عن التأليفات اللفظية. ولما كان الأسلوب في المعاني بإزاء النظم في الألفاظ وجب أن يلاحظ فيه من حسن الاطراد والتناسب، والتلطف في الانتقال من جهة إلى جهة، والصيرورة من مقصد إلى مقصد، مما يلاحظ في النظم من حسن الاطراد من بعض العبارات إلى بعض، ومراعاة المناسبة ولطف النقلة» (3).
فالأسلوب إذن - معان مرتبة قبل أن يكون ألفاظاً منسقة، وهو يتكون في العقل قبل أن ينطق به اللسان أو يجري به القلم ولايزال هذا هو تعريف الأسلوب إلى اليوم، فهو
(1) انظر ص 116، 117 وانظر أيضا د. شكرى عياد الأسلوب في التراث القديم، مجلة فصول، عدد أكتوبر سنة
1980 م.
(2) مقدمة ابن خلدون ص 57 (3) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق الدكتور محمد الحبيب خوجه، تونس 1966 م ص 264.
119