قراءات في فكر العوتبي الصحاري مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر العوتبي الصحاري

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

ولاشك أن كل مبدع يصل إلى مرحلة النضج يستطيع أن يفهم ثم ينتج تركيبات فاللغة بوسعها أن تستعين بعدد محدد من الوسائل لتنتج عدداً لايتناهى من لا تنتهي، الاستعمالات، وهذه الاستعمالات هي التي ترتكز عليها الأسلوبية في مظهرها الحسي، باعتبار أن الكلام الأدبى مجموعة من الجمل لها وحدتها المميزة ولها قواعدها ونحوها ودلالتها، ولأسلوبيون يتعاملون مع الجملة كتعاملهم مع النص بأكمله، لأنها قابلة للوصف على مستوياتها المتعددة، من صوتية وتركيبة، ودلالية (1). فالأسلوب هو طريقة المرسل في توظيف اللغة للإبانة عن الموضوع، بدءاً من الإبانة البسيطة وانتهاء الإبانة التى لا يبلغ شأوها إلا الأقلون، ومروراً بإبانات الملايين من الذين يستخدمون اللغة وسيلة إبانة.

وتحت كلمة «الطريقة» أو «الشكل» أو «النمط» أو «الصورة تأتى دراسات لاحصر لها، منها ما يتصل بالدلالة ومنها ما يتصل بالبنية ومنها ما يتصل بالنبرة، ومنها ما يتصل بالجرس الموسيقى، ومنها ما يتصل بالتركيب، والنحو ومنها ما يتصل بالعلة الباعثة، ومنها ما يتصل بالغاية .. وتلك في جملتها أدوات لابد للناقد من الإلمام بها كيما يستطيع الحكم على النتاج اللغوى أو الأسلوب (2).

إن الأسلوب يمكن أن نعتبره طبيعة بيانية للكتابة ذات حدود شكلية وليست البيانية هنا بالمعنى الموروث عن البلاغة القديمة، ولكن بمعنى أن لغة الكتابة تختار لنفسها أشكالاً

تتعدد بتعدد الأنواع.

فالأسلوب يرتبط بوسائل تعبيرية معينة نتجت من استعمال معجم الكلام الذي خلقت له اللغة نظاماً مرتباً، ويأتى الاستعمال ليحدث خللا في هذا النظام، بدءا من اللغة المشتركة، ووصولاً للوظيفة المزدوجة لفن اللغة وفن الأدب.

إنه النمط الذي يتبعه المنشيء في استخدام اللغة على نحو خاص لأداء ما يقصد إليه من تصوير وإحضار. ونعني بالنمط اختيار الألفاظ بأعيانها، وطريقة تركيبها بعضها مع بعض على النحو الذي يشاؤه، بحيث تجيء العبارة فى آخر الأمر ولها هيئة خاصة وتركيب خاص، ونمطية خاصة، يستتبع ذلك كله تصويراً وتأثيراً خاصين، بحيث نجد أن شخصين لا يمكن أن يتفقا في الأسلوب تمام الاتفاق في نقل فكرة ما. ومن ثم يمكن أن نقول إن أسلوب الرجل هو الرجل ذاته، وحيث لا تتطابق صورة رجلين ولو كانا توأما، فإن أسلوبين لن يتطابقا أبداً، فلا المفردات هي المفردات ولارصف الكلمات وترتيبها هو

(1)

د. محمد عبد المطلب البلاغة والأسلوبية، ص 145.

(2) انظر: د. عبدالرؤوف، مخلوف من قضايا اللغة والنقد والبلاغة ص 115، 116.

124