قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١٢٥الرصف والترتيب، ولا الشكل العام هو الشكل، وإنما هذا قصيد، وهذا مقال، وهذه رواية وتلك قصة.
يوجه
إن كل واحد يصدر في لغته عن ضخصيته تلك التي تختلف من فرد إلى فرد تبعا لاعتبارات لا يأتي الحصر عليها، فخلقة الفرد وشكله من طول وقصر وقماءة وفراعة، وما عليه حواسه من عمى أو بصر، وما يحيط به من بيئة وما يدور فيه من نوع العيش، ورخائه وبؤسه، ونعيمه أو شقائه، وما عليه مجتمعه بحضارته وثقافته، جميع ذلك أسلوبه، تماماً كما يوجه تفكيره. وخلاصة ذلك أن الأسلوب أثر لعوامل لا يسهل عدها، بل لا يمكن عدها، فغرض الكاتب حين يكتب، ومذهبه الديني والسياسي والاقتصادى وثقافته وحدة طباعه، أورقة شمائله، ورضاه عن مجتمعه أو سخطه عليه، ومزاجه الخاص .. كل ذلك يتدخل في تشكيل
أسلوبة (1).
واللغة العربية من اللغات التي تتميز بعدم حتمية الترتيب في أجزاء الجملة، لكن المألوف فيها أن نجد بعض الرتب المحفوظة وخاصة في مجال الأسلوب الإخباري- كتقدم المبتدأ على الخبر، والفعل على فاعله والفاعل على مفعوله، وهي أمور تحدث فيها النحاة كثيراً في مجال التعبير المألوف، وبالمثل أيضاً تحدثوا عن الرتب المحفوظة فى التأخير، كتأخير الصلة عن الموصول، والصفة على الموصوف والمضاف إليه عن المضاف، ومع كل هذا تتأتى مقدرة المؤلف في قلب هذه الأحوال متخطياً لها بغية الانحراف عن النمط المألوف، وقد هذا الانحراف يوماً نمطا مألوفا هو الآخر في مثل ما أطلقوا عليه المجازات الميتة- يصبح فمستعمل اللغة يتصرف بحرية فى تنظيم تراكيبه دون استسلام لاستخدام معين، ويصبح هذا التصرف الجديد خاصة أسلوبية قد تأخذ شكلا عاماً في عصر من العصور نتيجة لجهد مبدعين متعددين، أو يكون نتيجة جهد فردى لشخصية أدبية فذة تفرض باستعمالها نمطا في الأداء يؤثر فيمن حولها مكانا وزماناً، كالجاحظ أو بديع الزمان وغيرهما من أصحاب الكتابة في العصور القديمة والحديثة (2).
إن من أهم مباحث الأسلوبية رصد انحراف الكلام عن نسقه المألوف، أو «الانتهاك» بحسب تعبير «ج. كوهين» - الذى يحدث في الصياغة، والذي يمكن بواسطته التعرف على طبيعة الأسلوب، بل ربما كان هذا الانتهاك هو الأسلوب ذاته، وما ذلك إلا لأن الأسلوبيين نظروا إلى اللغة في مستويين الأول مستواها المثالى فى الأداء العادي. والثانى: مستواها الإبداعي الذي يعتمد على اختراق هذه المثالية وانتهاكها.
(1) د. عبدالرؤوف مخلوف، من قضايا اللغة والنقد والبلاغة ص 105، 106. (2) انظر: د. محمد عبد المطلب، البلاغة والأسلوبية ص 133.
125