قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١٢٦والمستوى العادى هو الذي يعتمد النحو التقعيدي في تشكيل عناصره، كما يعتمد اللغة في تنسيق هذه العناصر، وثمرة الترابط بين ما يقول به النحاة وما يقول به اللغويون ظهور مثالية اللغة في استخدامها المألوف وهي مثالية افتراضية أكثر منها تطبيقية واقعية. ورغم إدراك البلاغيين أن اللغة العربية تتميز بعدم حتمية ترتيب أجزاء الجملة تبعاً لوجود حركة الإعراب التي تحدد المعنى، فإننا نجدهم يفترضون أصلا في التركيب يقاس إليه العدول عنه، ففى الحديث عن المسند إليه يرون أن أصله التقديم، ولا مقتضى للعدول عنه إلا لأغراض حدودها ووصفوها (1).
ويجب أن نوجه اهتماماً خاصاً إلى أن دراسة الأسلوب الفردى يجب ألا تتركز حول الأنماط المنحرفة عن الأصل فحسب، باعتبارات إبداعات براقة واضحة، بل إن دراسة الأسلوب الجارى على النسق المألوف قد يبهرنا أكثر مما يبهرنا النوع الأول، ولذا يجب أن نتحرى في الصياغة ما فيها من منبهات تعبيرية لها طبيعة جمالية من ناحية، ولها طبيعة استمرارية من ناحية أخرى، كما يجب أن نتحرك وراء التكراريات التي تأخذ شكل ظاهرة أسلوبية فى بعض ألوان الأداء، مما يكسب المضمون حيوية تؤثر فى الشكل اللغوى، فتصبح عملية الأخذ والعطاء بينها قطب النظام الجمالي للكلام.
فمثلا قول النابغة: فإنك كالليل الذى هو مدركي يحقق مستويين دلاليين في آن واحد: لأول: قدرة الملك على الوصول إلى أى مكان بنفسه أو بعماله الآخر: حالة الغضب والسخط التي تسيطر على هذا الملك، والتي يعيشها الشاعر.
ووجود أداة التشبية فى فإنك كالليل يقتضى المغايرة بين المشبه والمشبه به، أما قوله (أنت نهار بحذف أداة التشبيه جرد النهار لوصف الملك بالخير والحياة.
الأسلوب في كتاب الضياء: إذا انتقلنا إلى البحث في أسلوب كتاب الضياء» وجدنا أن للعوتبي مناطق نحوية أثيرة يتحرك فيها من حيث التقديم والتأخير، والذكر والحذف والإيجاز والإطناب، والإيضاح والإبهام، ومن حيث التصريح والتضمين وغير ذلك مما يكون له أثر في الدلالة. 1 - فهو في بعض الأحيان ينتهك النظام اللغوي ويخرج على مألوفه، أو يكرر الفاظا بعينها من المنبهات الفنية، بما يجعل لذلك دوراً بارزاً في الدلالة.
أما من ناحية بناء العبارة فإن أسلوبه محكم البناء، تأخذ فيه الألفاظ بعضها بعجز بعض، وتتألف وتلتحم التحاماً قوياً حتى لا يوجد بين أجزاء الكلام تنافر.
(1) انظر في ذلك وغيره من أنواع العدول: - مفتاح العلوم، للسكاكى ص 84 وما بعدها - المثل السائر لابن الأثير 2/ 184.
126