قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١٢٨وكأنما أراد العوتبي أن تتضمن المرحلة الثالثة من تفصيل تعريفه للكفر ما يبين جحود الكافرين وضلالهم وعصيانهم.
وفى عبارة العوتبي إطناب عن طريق الإيضاح بعد الإبهام، فقد جاء المعنى مجملا مبهما في الجملة الأولى، فتشوقت نفس المتلقى إلى معرفته على سبيل التفصيل والإيضاح، فإذا جاء مفصلاً بعد ذلك تمكن في النفس فضل تمكن وكان شعورها به أتم شعور، ولذتها
المعنى
بالعلم به أكمل» (1).
ومن ذلك أيضا قوله وأربع لولاهن لهلك الناس جميعاً من الوقوف، والرخصة
والتوبة، والتقية».
تقديم الخبر في الجملتين، وذلك للاهتمام به، وهو الأولى «حجة الله في الأرض»، وفى
الثانية الدليل على الحق»، وناسب تأخير المبتدأ أن تتوالى المعطوفات بعدة في الحالين. ومن الإطناب أو الإجمال والتفصيل قوله قال أصحابنا الكفر كفران، کفر جحود، وكفر نعمة، وكفر الجحود هو الكفر بالتنزيل وكفر النعمة هو الخطأ في التأويل مما تصيبه الناس دينا وادعوا أنه الحق فى مخالفتهم، فهم عندنا بذلك ضلال هالكون إلا أن يتوبوا ويراجعوا الحق (2).
جاء الكلام مجملا مبهما في قوله «الكفر كفران»، ثم فصل ذلك وأوضحه بالكلام الذي باء بعده. وهذا اللون هو ما دعاه البلاغيون بـ «التوشيع» (3)، وهو أن يؤتى في عجز الكلام غالبا بمثنى مفسر، باسمين، أحدهما معطوف على الآخر.
ثم أورد العوتبي القول المخالف لقول أصحابه في أدب وتواضع، ودون طعن أو تجريح أو تشهير وتسفيه، وإنما اكتفى بإيراد الأدلة النقلية والعقلية على صحة قول أصحابه، يقول: وأنكر مخالفونا قول أصحابنا في كفر النعمة، وقولهم إن الكفر كفر واحد وهو كفر الجحود والله يوفقنا للصواب عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «من قال لأخيه المسلم يا كافر فقد كفر أحدهما أو كلاهما». وتأول ذلك كفر نعمة لا كفر شرك. وقال (ع) «من أتى كاهنا أو ساحراً فصدقة فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، يعني کفر نعمة لاكفر شرك الكاهن الذي يخط على الأرض يتكهن في ذلك» (4).
(1) انظر: الإيضاح للخطيب القزويني، تحقيق لجنة من علماء الأزهر مكتبة المتبني، بغداد ص 195. (3) انظر: النكت في إعجاز القرآن للرماني (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز (القرآن تحقيق محمد خلف الله والدكتور محمد
(2) العوتبي، الضياء ج 3 ص 85.
زغلول سلام، الطبعة الثالثة، دار المعارف، مصر.
(4) الضياء ج 3 ص 85.
128