قراءات في فكر العوتبي الصحاري مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر العوتبي الصحاري

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

رد العوتبي على ذلك فقال: والجواب عن ذلك أن تقدير الأمر إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، وتكون الفاء معناها تباين الحال» (1) واستدل على ذلك بأقوال البلاغيين في هذا الشأن، وبآيات أخرى من القرآن الكريم وقع فيها هذا التقدير كقوله تعالى: وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم (2).

وفي الآية إيجاز وهو ما يسمى في البلاغة العربية إيجاز الحذف» وهو ما يكون بحذف كلمة أو جملة أو أكثر من غير أن يختل المعنى، مع وجود قرينة تعين المحذوف (3). وقد دل العقل على الحذف وتعيين المحذوف، وفى ذلك اكتفاء بالمسبب (القراءة) عن السبب (الإدارة)، وفى ذلك إشارة إلى أن الاستعاذة تكون قبل القراءة مباشرة وليس لمجرد

الإرادة.

مزج العوتبي المعرفة اللغوية بالمعرفة الفقهية، فكانت له وقفات فيما يتصل بعلوم اللغة بما يخدم الموضوع الذي يتناوله، فكان لغويا في فقهه، فهو في كتابه الفقهي «الضياء» لم ينس أنه لغوى، فعرف المعاني ومقابلها واستقصى معانيها، وفسر كل لفظة غريبة وردت في كتابه، يقول العوتبي في ذلك: «وقد فسرت جميع ما ذكر في هذا الكتاب من لفظ غريب ومعنى عجيب ليكون مستغنيا بتفسيره عن الرجوع فيه إلى غيره، على أن الغرض المقصود به والغرض الموضوع له هو الفقه» (4).

وقد تساءلت ألا يمكن أن يكون ما أورده من معان لغوية في هذا الكتاب تكراراً لما هو موجود في معجمه «الإبانة» فعمدت إلى بعض المواد اللغوية التي تناولها في «الضياء» وراجعتها مع المادة نفسها في «الإبانة» فوجدت الفرق كبيرا بينهما، إذ لم يأخذ من اللغة إلى الفقه إلا ما يفيده ولم يأخذ من الفقه إلى اللغة إلا بالقدر المناسب فهو وإن كان لغويا في الفقه، أو فقيها في علوم اللغة، فإن أحدهما لم يطغ على الآخر في مجاله، فهو يأخذ من كل جانب إلى الآخر بالقدر الذى يخدمه ولا يطغى عليه. ويتضح ذلك من الملحق الذي أثبته في نهاية البحث لمادتين من كتابه «الضياء» ومعجمه «الإبانة».

ويظهر أثر علمه باللغة في أحكامه الشرعية، وفى معالجته لمختلف المسائل في العقيدة، يقول مثلا: «ولا يوصف تعالى بأنه «مؤقن» لأن اليقين هو العلم الذي يستدركه العالم بعد الشك والارتياب أو بعد أن لم يكن يعلم، فيكون قد أيقن بذلك بعد أن كان فيه شاكا، فلما لم يجز أن يكون الله تعالى يعلم من بعد شك لم يجز أن يقال إنه موقن (5).

(1) ا الضياء ج 5 ص 158. (3) انظر: الإشارات والتنبيهات ج 2 ص 144.

(2) المائدة /6. (4) الضياء ج 1 ص 17.

(5) الضياء ج 2 ص 31.

137