قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١٥٥وتكاد روايات العوتبي التاريخية عن تلك الفترة تتفق مع أخبار وروايات المؤرخين والجغرافيين المسلمين السابقين خاصة عند الطبري، في تاريخ الرسل والملوك (1)، وعند المسعودي، في مروج الذهب ومعادن الجوهر (2). ورغم اعتماد العوتبي على رواة عدة في حديثه عن أخبار تلك الفترة من أمثال محمد بن اسحق باسناده عن ابن عباس، وعمرو بن دينار، والكلبي (3)، إلا أنه استقى مادته التاريخية عن مصدر هام وأساسي لتلك الفترة وهو وهب بن منبه الذماري اليمني، الذي ولد سنة 34 هـ وتوفي سنة 114 هـ وعبيد بن شرية.
ويعد وهب بن منبه المصدر الأساسي لأخبار الأمم القديمة في مصادر التاريخ الإسلامي بصورة عامة، وقد ساعده على ذلك اطلاعه على كتب وأخبار الأمم القديمة السابقة، فأبوه منبه من هراة بخراسان، قدم إلى اليمن في جيش كسرى لنصرة سيف بن ذي يزن، حينما استنجد الأخير بالفرس ضد الأحباش المحتلين لبلاده. وقد أسلم منبه زمن النبي صلى الله عليه وسلم وولد ابنه وهب سنة 34 هـ في بلدة ذمار بالقرب من صنعاء ونشأ على الزهد وحفظ أخبار الأنبياء والأمم، حتى أطلق عليه المؤرخون وغيرهم ألقاب عدة منها: الأخباري صاحب القصص، أو صاحب الأخبار والقصص والعلامة القاص، وهو بجانب ذلك يعد من أهم أعلام طبقة التابعين كما أتاحت له فرصة الاطلاع على الثقافة العبرية واليونانية والسريانية فرصة هامة ليكون المصدر الأساسي لتاريخ ما قبل الإسلام (4).
وبذلك جاءت روايات العوتبي التاريخية عن الشعوب والأمم السامية القديمة بصورة مرتبة ومنظمة زاد من ترابطها وتنظيمها اعتماده على مصادر أخرى مع روايات وهب بن منبه مثل رواياته عن جبير بن مطعم بن عدي القرشي (5).
- جاءت روايات العوتبي التاريخية موثقة بمصادرها، كما جاءت واضحة في عرضها حيث اهتم بإبراز أثر البيئة على الأنسان وحدد المناطق الجغرافية التي بدأت تشهد تدفق لهجرات الجماعات البشرية منذ القدم. وتمكن بصورة واعية من تحديد المفهوم الجغرافي العام لشبة الجزيرة العربية، على أساس إحاطتها بالبحار والأنهار ثم قسم شبه الجزيرة العربية إلى أقسام خمسة، هي تهامة والحجاز ونجد والعروض واليمن وعمان، بحيث
(1) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، توفي سنة 310 هـ كتابه تاريخ الرسل والملوك. (2) المسعودي، أبو الحسن على بن الحسين، توفي سنة 346 هـ، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ص 1. (3) سيرد ترجمة لكل منهم على حدة.
ص 2، ص 347.
(4) من أهم كتبه: قصص الأنبياء السابقين مما يدعى بالإسرائيليات وكتاب تاريخ اليمن القديم، وهو مطبوع باسم التيجان يختص بملوك حمير وأخبارهم مع أساطير يمينة قديمة. كما توجد له كتب في الفتوح * كشف الظنون. (0) كنيته أبو سعيد، كانت له مكانة في الجاهلية والإسلام مات سنة تسع وخمسين في المدينة. - انظر: البستي، 354، أبوحاتم محمد بن حيان مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار، تحقيق مرزوق علي ابراهيم ص 32، بيروت، سنة 1987 م.