قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١٧٨ثالثاً: الشمول الزماني: عمد العوتبي إلى تقديم صورة واضحة للعصر الذي يتحدث فيه عن رجاله حينما يتوقف لترجمة واسعة لأحدهم، فيترك سلسلة النسب جانباً ويأخذ القارئ، في نظرة شاملة لزمان الحدث حتى يتمكن من وضعه في الصورة الصادقة، وقد تمكن من ذلك في حديثه عن الوقائع والحروب بين العرب وتأثيرها على معاصريها فهو يقول في وصفه لمشاعر أهل عُمان حينما علموا بقدوم محمد بن بور إلى بلادهم واتصل الخبر بأهل عُمان، فاضطربت عُمان من كل جانب، ودفع الخلف والعصبة بين أهلها، فكانت النزارية ومن كان على رأيهم في حزب، واليمانية في حزب وتخاذل الناس عن الإمام عزان بن تميم، وتنقضت الأمور عليه، فخاف أهل صحار وما حولها من الباطنة، فخرجوا بأموالهم وذراريهم وعيالهم إلى سيراف والبصرة وهرمز وغير ذلك من البلدان» (1).
وقد حافظ العوتبي على الربط بين الشمولين الزماني والمكاني بحيث لم تأخذه الأنساب والروايات التاريخية إلى الاستغراق في مجال أو مكان واحد وفي فترة واحدة بل ربط توضيح صورة العصر في الفترة التي يريد التحدث فيها. وبلغ من درجة ثقافة العوتبي وقوة تصوره لآثار الأحداث التي يتحدث عنها وصفه لآثار وفاة المهلب .. لأنه ليس من كتاب ألف من بعده في أي جنس كان من التأليف إلا وقع فيه من أخبار المهلب وأحكامه وبلاغته وسياسته وجوده» (2).
وهذه نظرة جديدة من أجل احداث توازن بين الرؤى العالمية والاقليمية والمحلية في دراسة التاريخ، يمكن ان يستفيد منها في عصرنا.
رابعاً
: العمل على خدمة الخبر للنسب:
حاول العوتبي أن يكون منهاجه واضحاً في الأنساب، ولذلك فقد اعترف بأن الروايات التاريخية والأشعار التي أوردها جاءت على صورة ثانوية بقوله «وما حشوتها من الأخبار وشواهد الأشعار (3) أي أن العلاقة بين الخبر وبين النسب عند العوتبي كانت علاقة محددة تتفق مع أهداف العوتبي من كتابه، وأن هذه العلاقة لم تأت بصورة عفوية أو ارتجالية وإنما كان وراءها قلم العوتبي ومنهاجه وكأن العوتبي يقصد بذلك أن العلم الذي يتحدث عنه هو الذي يصنع الحدث.
ولذلك فقد لاحظنا أن العوتبي كان دائم التوقف في عمليات الروايات التاريخية، وكثيراً ما نلاحظ أنه يحاول ألا يطيل في الشواهد التاريخية، وأنه كان يكتفي منها بما يدلل بها
(1) المصدر نفسه، ص 2، 323.
(2) نفسه، ص 2، ص 141. (3) نفسه، ص 1، ص 12.
178