قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١٨٩(7)
- طرق النقل والإسناد عند العوتبي
ظهرت عمليات التدوين المبكر للأخبار والروايات عند المسلمين والدليل على ذلك ما نجده من ألفاظ خاصة بهذا الأمر مثل الأصول الكتب الصحف، النسخ. وكانت عملية تدوين وتسجيل الأنساب من أقدم تلك المحاولات (1)، فقد شكل عمر بن الخطاب لجنة ثلاثية من أبي عدي جبير بن مطعم ومخرمه بن نوفل وعقيل بن أبي طالب كلفها بوضع ثبت بأنساب العرب يقوم على أساسه الديوان (2). وكانت الأبحاث التاريخية وكتب الأنساب غزيرة في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة.
وقد بلغت الكتب والرسائل التاريخية حتى نهاية القرن الثالث الهجري أكثر من 600 بحث ورسالة. وهي مادة تاريخية واسعة أقامت هذا العلم على قاعدة واسعة من المعلومات الأولى. وإن كانت تلك المعلومات على مستويات مختلفة من الدقة والصحة والسعة والشمول، أثرت فيها المستويات والمواقف والبينات.
ومن الملاحظ أن المدارس التاريخية الأولى قامت في البصرة واليمن والمدينة والشام وكانت أهمها مدرسة البصرة واليمن، حيث أثرت مدرسة اليمن في البصرة عبر العلاقات التجارية بين الطرفين. وكانت صحار العُمانية محطة هامة بين مدارس التاريخ، إذ ارتبط أهلها بالتيارات الفكرية والثقافية والبصرة وأثروا فيها وتأثروا بها، كما تأثروا بانتاج مدرسة اليمن عبر
الاتصال بينهما، أي أن صحار مثلت حلقة وصل فكري بين اليمن وبين البصرة وفارس. واستخدم المؤرخون والنسابون طريقة الإسناد متأثرين بأسلوب المحدثين، حتى أن بعضهم صرف همه إلى السند أكثر من الخبر، وتساهل البعض في ايراد السند. وحين ظهر الاسناد في الثلث الأخير من القرن الأول الهجري فقد كان سببه ضرورة الشهادة على الرواية نقلاً من مصدرها الأول، وهكذا فإن الأسماء الواردة في الاسناد عند المؤرخين كالطبري والواقدي والبلاذري مثلاً إنما تتضمن شجرات من المؤلفين ومن الرواة استمرت في الامتداد حتى عصرهم.
لكن هناك أموراً أدت إلى تطور عمليات التدوين التاريخي تمت في عصر العوتبي، وأدت في النهاية إلى تطور كتابة التاريخ وتسجيل الروايات التاريخية من هذه الأمور والأسباب:
(1) مصطفى المرجع السابق، ص 173.
189
(2) الطبري، ص 4، ص 209.