قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١٩٢فهم، ولم يرجع إلا إلى أسماء بعض مصادره بعد فترة طويلة من استمراره في الرواية وتتبع الحدث (1).
ويبدو ذلك من تمكنه من جمع مصادر عدة حول الموضوع وتمكنه من فهمها وصهرها، سواء كانت شفاهية أو مدونة.
ظهرت عناية العوتبي بالسند ومحاولته ذكره لسلسلة الاسناد أو اختصارها في رواياته عن بدء الخلق وأحداث الأمم القديمة وقصص الأنبياء مثل قوله «وقال الحسن ابن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة عن سمرة بن حندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافت أبو الروم» (2) رغم أنه كان غالباً ما يسند الخبر إلى مصدره الأصلي مباشرة.
- برغم عدم اهتمام العوتبي باثبات اسناد مصادره، فإنه أهمل أيضا الإشارة إلى كتبهم ومؤلفاتهم، ولم يظهر ذلك إلا في حالات نادرة ذكر فيها المؤلف مع مؤلفه كقوله وقال ابن اسحق صاحب المغازي» (3)، واكتفى بذكر كلمة «روى» أو «قال» أو «حدثنا» أو «عن» أو «زعم» قبل اسم المؤلف أو صاحب المصدر. ويبدو أن هذه الطريقة كانت منهجية جديدة في التدوين ظهرت في عصر العوتبي وقد سبق بها العوتبي غيره.
* ثانيا: أما طريقة نقل مادة الخبر من المصدر عند العوتبي فكانت كما يلي: 1 - عدم الإشارة إلى موضع النقل من المصدر أو المخطوط وذكر رقم الصفحة أو الورقة، لأن هذه الطريقة من انجازات المنهج العلمي التاريخي الحالي، كما ان هذا الأمر كان متعذرا فيه عمليات النشر وتداول الكتب إلا في نطاق محدود في عصر يعد فيه توفر أدوات التدوين أمراً صعباً، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على المصدر نفسه.
واكتفى العوتبي بذكر الموضوع المنقول عن المصدر، ولم يكن في حاجة إلى ذكر بيانات عن المصدر ذاته. وإن كان أحياناً يحدد موضع النقل ويشعر القارئ بذلك إذا كان هناك أهمية لذلك، مثل قوله: وروي عن ابن عباس: العرب والفرس والنبط والسند والهند من ولد سام بن نوح» (4) وكانت تلك العملية تتم على نطاق ضيق بحيث لا يزيد ما أخذه نصا عن بضعة أسطر، وسرعان ما يعود إلى اسلوبه ونظامه في السرد كما كان لا يجعل النص عقبة في عمليات سرد الخبر بل يجعله مترابطاً مع الرواية ترابطاً وثيقاً (ه) وهو دلالة على وضوح التصور العام عند العوتبي للموضوع وقدرته على السيطرة على مصادره.
(1) راجع الجزء الثانى، ص 45 وما بعدها. (2) نفسه، ص 1، ص 68. (3) المصدر السابق، ص 1، ص 26. (4) نفسه، ص 1، ص 68.
(ه) نفسه، ص 1، ص 228.
192