قراءات في فكر العوتبي الصحاري مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر العوتبي الصحاري

الجزء ١ · صفحة ٩٨

ويستمر الكتابان (الأنساب وكشف الغمة فى تصوير هذا اللقاء، وإن كان صاحب كشف الغمة لم يهتم بنقل القصائد والأشعار التي أوردها العوتبي في هذا المقام. وعلى أية حال، فقد حمل المزربان على مالك بالسيف، فراغ منه مالك، وضربه بسيفه فقتله، وهكذا بدأت معركة حامية بين الأزد والفرس انتهت بهزيمة الفرس، وعندئذ أرسل الفرس إلى مالك يطلبون الصلح، وأن يكف عنهم الحرب، وأن يؤجلهم سنة ليخرجوا من عُمان، وأعطوه على ذلك عهدا وجزية، فأجابهم مالك إلى ذلك، وأعطاهم عهدا لا يعارضهم حتى يبدأوه بحرب وعاد الفرس إلى صحار وما حولها من الشطوط وكانوا هناك والأزد في باقي عُمان. ويضيف صاحب كشف الغمة أن الفرس في مهادنتهم تلك طمسوا في عُمان أنهارا كثيرة ولكن صاحب كشف الغمة ينحو في هذه الإضافة منحى اسطوريا فيضيف إلى ما نقله نقلا حرفيا هذه الإضافة الأسطورية .. وهي أن سليمان بن داود عليه السلام أقام بعمان عشرة يام، وقد حفر فيها عشرة آلاف فلج وأن الفرس طمسوا أكثرها في فترة الصلح التي طلبوها من مالك بن فهم (1) ولم يذكر العوتبي ذلك (2). وهذه النقطة هامة جداً لأن من عادة المؤرخين في العصور الوسطى ربط الأحداث التاريخية أحياناً ببعض الأساطير، والعوتبي نفسه فعل هذا في بعض المواقف، ولكنه لم يذكر ما ذكره صاحب كشف الغمة بالنسبة لما وقع للأفلاج .. وبالتالي فإن هذه النقطة تحسب للعوتبي لأنه تاريخياً أقدم من صاحب كشف الغمة، بل إن الأخير نقل عنه حرفيا بنفس الكلمات والألفاظ ولكنه يضيف إلى ما نقله هذه القصة الأسطورية. فالواقع أن الأفلاج هي معجزة بشرية شيدها العُمانيون القدماء بأيديهم على فترات طويلة، وهي شاهد على عظمة الأجيال الماضية، ولا يمكن أن نوافق على إقحام هذه الأمور الأسطورية على كفاح الشعب العُماني في الماضي. وواضح أن العوتبي لا يرجع موضوع بناء الأفلاج إلى الأساطير. وواضح هنا الموضوعية التي يتحلى بها العوتبي في هذه النقطة إذا عرفنا أنه عاش في الغالب في النصف الثاني من القرن الرابع الهجرى في حين أن صاحب كشف الغمة عاش فى القرن الثاني عشر الهجري أي بعد العوتبي بنحو ثمانية قرون.

وعلى أية حال، يستمر الكتابان في توضيح مراحل الحرب بين الفرس والعمانيين بقيادة مالك بن فهم، وأنه لما وصلت أخبار هزيمة الفرس إلى الملك دارا الأول، غضب غضبا شديداً، وأرسل مددا إلى قواته في عُمان.

(1) المقتبس من كتاب كشف الغمة - المصدر السابق ص 23. (2) العوتبي - المصدر السابق ج 2 ص 272.

98