فعاليات ومناشط حصاد أنشطة المنتدى لعام 1990 م
الجزء ١ · صفحة ٢٦خرجت وبرفقتي عشرون راكبا من خيرة الرجال، وكانت المواصلات آنذاك
بوسائل عادية اذ لم يكن وجود السيارات حينذاك بعمان فتجد الماشي في الطريق وصاحب الفرس والبعير والحمار، منها المعد للنقل، ومنها المذلل للركوب، أما مطايانا فكانت من خيرة الابل إذ أنها خصصت للوازم الدولة .. خرجنا بها نشق الوادي الخصيب من سمائل وقد تفجر ينابيع الري، وعقدت الترع منه للبلاد، وكان وسطه مفعما بالماء العذب الذي فضل عن حاجات البلد، وكانت أخفاف الابل كأنها تقدح الحجر تارة وتطيش بالماء أخرى جامعة بذلك بين ضدين لا يعيشان مجتمعين الماء والنار. . ومنذ ذلك اليوم بدا لي أن أقول الشعر وأنا أنظر إلى الماء المنساب وإلى القسم الآخر المتحجر في صحون الأودية، وقد انعكست به زرقة السماء وخضرة الشجر)
ان هذا النص ذو أهمية خاصة لأنه يصور المناخ الذي ولدت فيه شاعرية الخليلي وهو المناخ الذي رسم لها الاطار في معظم رحلتها الفنية، وحتى عندما نمت خطوات التطوير تمت في الغالب انطلاقا هذا من المناخ، لقد ولد الشعر عنده على ايقاع الابل والخيول، وفي مشهد يعد امتدادا حيا وطبيعيا للمشاهد التي كانت تألفها البيئة العربية منذ طويلة، وهو لاشك مشهد عايش مثله امرؤ القيس والمتنبي وأبو فراس، ولم يعايشه البارودي أو شوقي وغيرهما من شعراء حواضر المواصلات الحديثة معايشة طبيعية على نفس
عصور
،
الدرجة من الصدق والاندماج، وانطلاقا من هذا فقد ظل مفهوم الشعر، ودور الشاعر. ومجال حركته، وصلته بالتراث السابق عليه، وصلته كذلك بالمتلقين من حوله، ظل هذا كله عند الخليلي متأثرا بذلك المناخ ومرتبطا به، وحتى في مجال تصوير الحركة الحسية البحتة، فقد ظل شعر الخليلي أكثر صدقا واندماجا المشاهد التي تتم الحركة خلالها بالوسائل الحديثة، منه مع تلك المشاهد التي تتم الحركة فيها بالوسائل القديمة، ولننظر إلى هاتين اللوحتين التي تتم فيهما الحركة من خلال الحصان والطائرة، لنرى كيف كانت درجة الالتحام مع كل عنصر منهما يقول في اللوحة الأولى عن مغامرة بطولية ليلية: (4)
تبطنته
والليل يسود
وجهه
يخيل لي أني على الماء تارة
(4) وحي العبقرية ص 116.
وللغيم في أرجائه جيش توبان
وطورا بأجيال وطورا بكثبان
- 26 -