فعاليات ومناشط حصاد أنشطة المنتدى لعام 1990 م
الجزء ١ · صفحة ٢٧٣روافد الترجمة إلى العربية على عهد العباسيين:
كانت حركة النقل والترجمة القناة الكبرى التي جرت جميع العلوم القديمة الى الدولة العباسية عن طريقها. وقد ساعد الخلفاء وأولو الأمر تلك الحركة المباركة، فآتت أطيب الثمار، وأسهمت في نقل العديد من الكتب اليونانية وغيرها، كما أسهمت دار الحكمة التي أنشأها المأمون في بلوغ الترجمة عصرها الذهبي
ومما يؤخذ على هذه الحركة أنها لم تستغل الأدب اليوناني، كما استغلت العلم والفلسفة اليونانيتين. فمع كثرة ما نقل عصر الدولة العباسية عن اليونان من علوم - لم تتعرض لشيء من كتبهم التاريخية والأدبية، مع أنهم اهتموا بهما عند الفرس والهنود، فنقلوا الكثير من تاريخ الفرس، وأخبار ملوكهم، ولكنهم لم ينقلوا تاريخ هيرودوس، ولا جغرافية استرابون، ولا الياذة هو ميروس، وأوديسته، كما أنهم لم ينقلوا روايات اليونان التمثيلية، ولا سائر فنونهم الأدبية. ولعل ذلك يرجع إلى أن العرب لم يتذوقوا الآداب اليونانية، لبعدهم عن الذوق العربي، ولأنها مملوءة بذكر الآلهة التي تنفر منها عقائدهم ولأن العباسيين كانوا حريصين على نقل الفلسفة والطب والمنطق والنجوم لحاجتهم اليها أكثر، أو غير ذلك. (1)
وأما حرصهم
على ترجمة علوم الهند وثقافتهم وآدابهم، فلأن العقل الهندي ميال الى التأمل. والفكر الهندي فكر تأملي شعري أكثر منه علمي. انه فكر تصويري خيالي تمثيلي، شديد الاتصال بالعاطفة، كما أن عاطفة الزهد والتصوف عند الهنود قوية، ولهذا مال العرب إلى الأخذ عن الهند، مما كان له أثره فى ظهور الحكمة والزهد والتصوف
عند العرب.
واما حرصهم على الترجمة عن الفرس، ونقل ثقافتهم فلأن العقل الفارسي قد حوى العلم القديم كله وتأثر باليونان والهنود وإن كان الأثر الهندي في الثقافة الفراسية أكثر من الأثر اليوناني وقد كان للنقل عن هؤلاء جميعا أثره في العرب
(1) من تاريخ الأدب العربي. المجلد الثاني. العصر العباسي الأول (القرن الثاني) للملايين 1982 م.
د.
طه
273 -