فعاليات ومناشط حصاد أنشطة المنتدى لعام 1990 م
الجزء ١ · صفحة ٢٨عنده، وتبدو معها هذه العناصر موزعة بين وفائها للمناخ الذي ولدت فيه واشتقت منه واستجابتها لجانب من حاجة التطور الذي ألم بالعصر في مرحلة لاحقة بعد ميلاد الشاعرية وتكوينها
ولعل أول ما يلفت النظر من عناصر هذه الثنائية، هو الثنائية على مستوى المعجم اللغوي الذي يلجأ إليه الشاعر، فهو يجد أمامه من ناحية نماذج الشعراء الفحول الذين وتكونت ثروته اللغوية على يديهم، وهذه الثروة هي التي تستجيب
بهم
"
حفظ لهم وتأثر له بمفرداتها في لحظة العطاء الشعري، لكنه يجد من ناحية ثانية ذلك الجمهور الذي يقرأ شعره أو يسمعه ويتمتع به، وتحول غرابة الكلمات أحيانا بينه وبين الوصول إلى لب المتعة الفنية، وينبغي أن يشار هنا إلى أن هذه المشكلة ليست جديدة وليست خاصة بالشيخ الخليلي وحده، وإنما هي مشكلة وقف أمامها كثير من الشعراء حتى في العصور المتقدمة، وتنوعت أمامها المذاقات بين ايثار لفخامة الغريب بما يدل عليه من خصوصية في التلقي والاستيعاب وغزارة ثقافة وعمق اتصال، وبين ايثار للكلام السهل السلس بما كان يرتبط من رقة الذوق ومد حبال التواصل، ولقد كانت مشكلة المعجم في الشعر القديم تتبدى أحيانا من خلال تنويع المفردات سهولة وغرابة على الأجناس الأدبية وايثار كل جنس بما هو أليق به، على هذا النحو كانت تأتي الطرديات والأراجيز غالبا وهي ترتدي معجما خاصا بها يحاكي لغة الأعراب الذين تشيع بينهم هذه الفنون، على حين تأتي قصائد الغزل والعتاب والمديح وما شاكلها في لغة (خضرية) لكن كلا من اللغتين كان يمكن أن تحوم حوله شبهة ما يمكن أن تقلل من قيمة الشاعرية، فالأولى يتهددها (الاغراب والانغلاق، والثانية يتهددها و الضعف، ومن هنا كان بعض الشعراء الحضريين يدفعون عن أنفسهم التهمة باللجوء أحيانا إلى صياغة قصائد من الطرديات والأراجيز، كما كان يفعل بشار وأبو نواس، كما كان يتم الدفاع أحيانا عن هذه اللغة بأنها وان كانت سهلة قريبة، فإنها تستطيع الوصول إلى مرام بعيدة، ومن خلال هذا فرقوا بين «الغرابة» و «الجزالة» التي تعرفها العامة إذا سمعتها دون أن تستعملها في محاوراتها (6) وقد عبر البحتري عن ذلك تعبيرا موفقا حين قال في وصف كلمات ابن الزيات: (7)
(1) أنظر الصناعتين لأبي هلال العسكري ص 49 - القاهرة، سنة 1320 هـ (7) ديوان البحتري، ص 206، طبعة القاهرة سنة 1911 م.
- YA-