فعاليات ومناشط: حصاد أنشطة المنتدى لعام 91-1992م — قراءات ودراسات وبحوث في الفكر والأدب والتراث العماني مجموعة مؤلفين

فعاليات ومناشط حصاد أنشطة المنتدى لعام 91 - 1992 م

الجزء ١ · صفحة ١٦٧

ولقد قلنا في بداية الحديث اننا لسنا بصدد الحصر الشامل لشعر الشيخ ولكن نشير الى بعض المواضع التي نرى انها تستلزم الاشارة واذا ادركنا شظف العيش الذي كان يعيشه المرحوم وقسوة الحياة التي يحياها في زهده وتقشفه فإنه لابد لنا ان ننظر اليه والى أمثاله من النوابغ الافذاذ في عصره نظرة المعجب بصبرهم واصرارهم على ان يبقوا بصيص نور يضيء في حنادس الجهل المطبق على الناس من كل جانب. انهم بحق أشخاص استثنائيون لا يملك المرء وهو يتمثل مواقفهم الانسانية النبيلة إلا ان يغبطهم على ما حباهم به الله من أخلاق كريمة بوأتهم تلك المنزلة الرفيعة في قلوب الناس وبما انه لكل انسان سلوكه الخاص وميزاته المميزة فإن السمة الغالبة على الشيخ ابن جميل هي الحشمة والوقار اكد لي ذلك اكثر من واحد من معاصريه كما أكدها لي ايضا نظمه المتزن الذي يربأ به عن النزول عند رغبات النفس المتهافتة ونوازع الهوى الباطل. فاذا سمعته يقول مثلا

على باب من اهوى يلذ لي الذل فياعز قوم تحت اعتابه ذلوا فلا نظن إلا خيرا وتأكد ان هذا الباب الذي يلذ للواقف امامه الذل هو باب الرحمة والرضوان الذي طالما لثمت عتباته المقدسة أرواح المؤمنين المتلهفين الى الاقتراب من الذات الالهية والظامئين الى كوثر الخلود السرمدي. لقد سمعنا فيما مضى عن مئات العشاق الهائمين بالمناجاة الربانية وهم يتغنون بالمحبوب الأوحد الذي يتمثلونه في أنفسهم رمزا للكمال المطلق ومن بين هؤلاء العشاق يبرز للعمانيين قلة نادرة وصفوة مصطفاة نراها تؤثر في أشعارهم كما اثرت في أفكارهم فتصبغ هذه الأشعار بصبغتها المتميزة التي تستمد لونها من الومضات الروحية المتدفقة من أنوار الذات المقدسة فندرك نحن القراء مدى التواصل العاطفي الذي يربط بين هؤلاء العشاق ومدى الألفة النفسية التي تجمعهم على بساط المحبة

الظاهرة. رئيس المرحوم ابن جميل استثناء من قاعدة التأثر والتأثير فقد يحس القارئ لشعره ان سلافة هؤلاء العشاق قد انسكبت في روحه وان أنغامهم الشجية قد رنت في أذنه وها هي الأن تتكرر توقيعاتها على ألحانه ولكن بعد التطويع والتكيف على أوضاع الحياة التي يحياها هو وبعد ان تأخذ الأسلوب الذي يناسبه. ولئن اتخذ معظم شعراء هذا الفن الشعري من المحبوب المخلوق تورية لشعرهم في المحبوب الخالق وجعلوا من جماله الدنيوي الفاني كناية عن جمال الفن الشعري الاخروي الباقي الذي يهيمون به فإن ابن جميل لم يختر مجاراتهم في هذا المنهج بل إنه جعل يتمثل في قرارة نفسه ذلك الجلال الشامخ والسلطان القاهر الذي هيمن به محبوبه الخالد على الوجود بأكمله. لهذا لم نسمع من الشيخ شعرا على شاكلة.

- 1 TV -