دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٣والإباضية وإن كانوا يرون التحكيم خطأ، ويخطئون عليا في قبوله تحكيم الحكمين لأدلة ثابتة عندهم ليس هنا محل بسطها، فإن عدم الرضى على شخص ما، أو الترضِّي عنه، لا يعني تكفيره أو شتمه، على أن الإباضية لا منزلة للأشخاص عندهم إلا على ضوء الحق والتقوى والاستقامة في الدين من منطلق قول الله عز وجل: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) وميزة الإسلام وحيويته تتجليان في ثوب المساواة الذي كساه أفراد مجتمعه - لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى - والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لأهل بيته، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني أنتم بأنسابكم، واعتقاد الصواب وعدم الخطأ بشخص من الأشخاص ما عدا الرسول صلى الله عليه وسلم، هو من الغلو في الدين، وقد نهى الإسلام عنه، قال الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش: " والأصحاب يتحرون تطبيق حكمي الولاية والبراءة لا تشهيا، وهما ينطبقان على كل فرد مهما عظمت منزلته، ما لم يكن من المعصومين ولا معصوم إلا النبي أو الرسول، أما الصحابة فلهم مرتبة عظيمة وهي مزية الصحبة، والذب عن أفضل الخلق وإراقة دمائهم في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، فنختار الكف عن تلك الحوادث المشؤومة " وقال في نفس الكتاب: " وأيضا فلا غبار على من صرح بخطأ المخطئ منهم بدون الشتم والثلب بعد التثبت من نذلك والتبين، وإن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو محسن، والقول بخطأ التحكيم بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ليس هو قول الإباضية وحدهم بل هو قول الحسن البصري، ومالك بن أنس، والمنذر بن الجارود وغيرهم.
ولسنا هنا بصدد الحديث عن قضية التحكيم وما جرى حولها من نقاش وجدال، فإن الحديث حول هذا الموضوع ذو شعب متعددة وجوانب متفرعة، ويتجلى إنصاف الإباضية واضحا للإمام علي بن أبي طالب عندما ولي الخلافة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز حيث أرسل إليه الإباضية وفدا على مستوى رفيع من العلم والفضل والصلاح وكان من أعضاء الوفد جعفر بن السماك العبدي البصري، وأبو الحر علي بن الحصين العنبري، والحتات بن كاتب التميمي العماني،