دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢اعتبارها علما مركزا، اللهم إلا إذا أردت أن أجعل من نفسي نسخة مكررة من " كتاب المقالات " فرغم ضيق ذات اليد، ورغم شح المصادر المادية – كطالب – عكمت عيبتي، وتوكلت على الله، إلى عمان؛ فعمان في الصحيح كانت – إلى زمن قريب جدا – بلاد مغلقة الحدود، لا يكاد الناس يعرفون ما يجري في داخلها، بيد أنها في حقيقتها بلاد واحدة من أغزر وأغنى البلاد الشرقية في المادة التاريخية، ولها صفحة مشرقة في تاريخ الخليج والجزيرة العربية، وكثير من العلماء المسلمين الكبار من أصول عمانية، والحق أن دور عمان التاريخي لم ينحصر فقط في الجزيرة العربية والخليج، وإنما تعداهما إلى إفريقيا حيث خضعت شرق إفريقيا للنفوذ العماني، نقلت عاصمتها من مسقط إلى " زنجبار " ولقد كان للعمانيين علاقة تجارية قديمة جدا مع كل من الهند والصين، كما كان لها قوة بحرية مكونة من أساطيل تجارية تجوب البحار، وأساطيل حربية لحراسة موانئ عمان العديدة.
ولقد هالني عند زيارتي لها معالمها التاريخية، وهي آثار تعبر وتشهد وتتحدث عن ماض عريق وتاريخ حافل بالعظمة، تبهر العين؛ فقلاعها الشامخة، وحصونها المنيعة، وأسوارها الشاهقة، وقصورها العالية، تعد بالمئات وكلها تنبئ عن مدنية عظيمة سادت هذه البلاد .. وهنا بدأت أعيش مع الإباضية، فالإباضية هو المذهب الرسمي للدولة؛ فبادئ الأمر كنت أحسبهم – والذنب ذنب التاريخ – من الخوارج، وكنت قد هيأت نفسي (كمسلم سني) لمعايشة فرقة من فرق الخوارج المتشددين جدا، والذين لا يترددون في إنزال أشد العقاب على أصغر ذنب، وأتفه معصية – إن كان في المعصية ما هو تافه – استنادا إلى التاريخ الذي قرأناه عنهم، غير أني لا أخفي دهشتي حين لم أجد شيئا من قبيل ما كنت أتوقعه منهم، فإذا هم مسلمون عاديون يصلون كما نصلي، ويقومون بسائر العبادات طبق ما تعودتُ ممارسته، والذي رأيت الناس يمارسونه، فقرآننا جميعا واحد لم نختلف فيه حرفا.
والذي لفت نظري فيهم – وهي ظاهرة قلما وجدت في العالم الإسلامي – اكتظاظ مساجدهم بالمصلين في سائر أوقات الصلاة، وانعدام مرض الغيبة من بينهم – وهو مرض متفش في العالم الإسلامي حتى من بين أولئك الذين يعتبرون في مستوى قيادة الأمة فكريا – فلم أسمعهم يسبّون أحدا، وجملة القول أني لم أر منهم ما أنكرت.