دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١لأنه كان يمثل إحدى جبهات الرفض السياسية الأموية والعباسية، ذلك لأنه مذهب واكبت نشأته تكون اللّبنة الأولى لبناء دولة الإسلام لعهد ما بعد الخلفاء الراشدين. وتكون المجتمع سياسياً واجتماعياً على ضوء التغييرات التي حصلت بعد انتقال الحكم من خلافة إلى ملك. فكان لزعماء "المذهب الإباضي" رأي ثالث، كما سيظهر خلال الصفحات القادمة من هذا الكتيّب؛ لأنهم – أي زعماء الإباضية والخوارج – أنكروا أن تكون القيادة محصورة في (قريش)، سواء أكانت في يد بني هاشم أم بني أمية. مع العلم بأنهما – رغم اختلافهما فيما بعد اختلافاً حادّاً – فإن القرشية تجمعهما نسبيّاً.
فالزعماء الإباضيون لم يؤيدوا الأمويين طوال حكمهم، بل لم يعترفوا بهم ولاة شرعيين على المسلمين، ما عدا عمر بن عبد العزيز، وكذلك كان موقفهم تجاه العباسيين.
في حين أن قضاة المذاهب الأربعة الأخرى وزعماءها تعاملوا مع الحكم العباسي خصوصاً، مما ينبئ إقرارهم بصحة وشرعية الحكومات المذكورة عدا انتقادات لسلوك بعض الولاة والأمراء من قبل أئمة المذاهب الأربعة. بدرجات متفاوتة غير أن موقفهم عموماً تجاه الحكومات الأموية والعباسية مهما كان متشدداً فلا يشابه موقف كل من الإباضية، والجعفرية، اللتين كانتا ذواتي موقف رافض تماماً، ولم تتعاملا مع الحكومتين قط.
فالإمام الشافعي نفسه مثلاً كان قرشياً فلا ينتظر منه أن ينكر زعامة قريش على المسلمين، أو تكون مسألة نقل الزعامة منها إلى غيرها موضع نقاش بالنسبة إليه، وهذا لا يعني أن المذاهب الأربعة قالت بحصر الزعامة في يد أسرة واحدة أو قبيلة واحدة.
يد أن الزعيم الذي ينسب إليه المذهب الإباضي، عبد الله بن أباض، في وضع مختلف تماماً عن وضع رؤساء المذاهب الأخرى، لاختلاف المواقف نتيجة الاختلاف في تقدير الموقف المتولد عن فلسفة الخلافة.
ذلك لأنه – كما أشرنا – أدرك الحوادث والأحداث وهي لمّا تزل طازجة، وهي تلك الأحداث التي انقسمت الأمة الإسلامية من جرائها إلى مجموعات وفئات