دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢تتطاحن وتتصارع سياسياً إلى حد تبادل الاتهامات بالكفر والشرك، وعايش الصحابة، وسمع منهم حججهم مباشرة. وموقفه – إذاً – موقف متولد عن إدراك الأمور كما هي.
كما أنه اشترك في الدفاع عن الكعبة المشرفة إلى جانب عبد الله بن الزبير ضد الجيش الأموي الشامي. مع أن وقوفه جنباً إلى جنب مع عبد الله بن الزبير لا يعني أنه كان مهادناً له، بل كانا مختلفين في وجهتي نظرهما السياسية. وإنما كان موقفه وأصحابه احتساباً.
إذاً، فإدراكه الأمور ومعرفته أسبابها مباشرة لا عن طريق الرواة والمؤرخين أعطاه ميزة ينفرد بها من بين أئمة المذاهب في رأينا فكان لا بد أن تنعكس مواقفه على أتباعه وتلاميذه. وإن كان هؤلاء الأتباع أصبحوا تلاميذ الأستاذين العملاقين، وهما عبد الله بن أباض. وجابر بن زيد الأزدي.
وعلى ضوء معطيات موقف فلسفة المذهب تجاه الحكام فما كان له أن ينتشر أبداً. لأنه ليس بمذهب يتصف أتباعه بخلو الذهن عن جوهر أسباب الخلافات ومسبباتها. فموقف ابن أباض موقف منبثق عن دراية وإدراك للأمور بكل أبعادها، لا عن تخمين أو تفسير وتأويل للأحداث. والحق أنه كان للمذهب الإباضي – كمذهب – زعيمان، زعيم روحي وهو جابر بن زيد والذي سوف نتناوله بالكلام والدرس. فقد كان جابر هذا عالماً مشهوراً ومشهوداً له بالتبحر في العلم، وكان قد أخذ العلم عن ينابيعه الصافية ومنابعه النقية من الصحابة الكرام أنفسهم مباشرة. لقد كان من بين أساتذته الأجلاء – ولعلهم رؤساء أساتذته – أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وثلاثة من العبادلة المشهورين، وفي مقدمتهم عبد الله بن عباس الملقب (بحبر الأمة) وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وزعيم سياسي أو قائد للحركة، وهو عبد الله بن أباض (*).
ونكرر قائلين بأن معلوماتنا عن ابن أباض لا تسمح لنا بتقديم معلومات دقيقة عنه في سائر نواحي حياته. فمثلاً أين ولد؟ وأين مات؟ ومع ذلك، فرغم اضطراب المعلومات عنه فإن معظم المصادر الأجنبية تشير إلى أن اسم المذهب الإباضي مشتق من اسم عبد الله بن أباض، فعرفته بأنه رجل من قبيلة تميم العربية.