دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١ورنين المؤدنين(1) وحنين المسبحين" "مما أثر عليه واتعكس على ماكان مضمرا تنفيذه من برامج واستيقن أن القوم مسلمون ولا يجوز الخروج عليهم. وإن كان نوع إسلامهم بالنسبة إليه في حاجة إلى التقويم والتنقية، ومن هنا قال لأصحابه: أعن هؤلاء أخرج معهم. فقرر القعود ورجع وكتم أمره. وهنا - في الواقع- انقسمت قيادة المحكمة إلى قيادتين: معتدلة ومتطرفة. فالمتطرفة أصبحت تعرف بغلاة الخوارج لتكفيرها باقي المسلمين وارتئاها جواز بل وجوب الخروج عليهم، ونتيجة للحروب التي خاضت، والغزوات التي شنت عليها انقرضت، وبخاصة إذا علمنا أنها لم تكن لها روافد تصب عليها، وهي _ إذا _ كانت في تناقص مستمر، بدلا من التنامي والازدياد، حيث كانت مرفوضة من قبل باقي المسلمين، ومحاربة من قبل الدولة أيضا، فضلا عن الإنقسامات التي حصلت فيما بينها مما أفقدها القوة الكمية. فهذه العوامل لم تترك لها فرصة للبقاء. وحفظ النوع (إن جاز هذا التعبير عليها).
واما ابن أباض - مما لاريب فيه - فإنه كزعيم لا بد أن يبقى معه الذين رأوا رأيه، وبما أنه بالأمس فقط كان أحد زعماء الخوارج، فإنه اليوم - بعد انشقاقه عنهم - أصبح رئيس الجناح المفضل للبقاء، فتلقائيا ينعقد لواء الرئاسة له، ونحن نستطيع التصور بأن المحكمة كانوا من الكثرة العددية بمكان، كما كانوا على جانب عظيم من قدرة التأثير، لما لهم من قوة المنطق، وسحر البيان ويكفينا دليلا على هذا انهم قبلئذ كانوا قد أفحموا عبدالله بن عباس سفير الإمام علي إليهم وخصموه وهو من هو علما(2). وهنا يستمر دور ابن أباض وتتعاظم مهمته، وهي الدفاع عن آرائه وخلفه أتباعه المعجبون بآرائه السياسية والاجتماعية والدينية بعد أن انفصل عن القيادة العامة للخوارج. فهنا كان عليه أن يقاتل في جبهتين. فهو
(1) 1 انظر العقود الفضية في أصول الإباضية. قارن نشأة الحركة الإباضية
(2) وهناك من يرتاب في صحة هذه المناظرات التي قيل أنها جرت بين الخوارج وابن عباس فمهما يكن من أمر، فإننا نعلم أن الإمام عليا مع بلاغته لم يستطع ثني الخوارج عما اعترفوا فعله، وان ابن عباس اعتزل معسكر الإمام. ويقال: إن ذلك حدث نتيجة اقناع الخوارج له.