دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٢على الرغم من انفصاله عن الخوارج فإن ذلك لا يعني أنه هادن الدولة وتبنى فلسفتها بل إنه باق على رأيه نحوها فلم يتغير. ويدافع عن موقفه الجديد، ويبرره للخوارج ويثبت صحته، فهي مواقف لا شك تطلبت منه أن يقول، ويقول كثيرا.
ففلسفته - إذا - كانت قريبة من أذهان الناس، وآراؤه كانت قابلة للنقاش من قبل السواد الأعظم من جمهور المسلمين، لا كآراء الخوارج المرفوضة جملة، وأخرى يجب القول بها، وهي أن الناس كل الناس كانوا قد تعبوا من المشاكل وسئموا الثورات، وسهكوا من سفك الدماء. فليس حتى من فرط الذكاء القول بان معظم بل الأغلبية المطلقة من علماء الأمة وعوامها - كانوا يكرهون الحكم الأموي ويرون فيه حكاما استبداديين، وبعيدين كل البعد عن الروح الديني والشريعة المحمدية. ولئن كانت الخوارج قد غالوا في تمسكهم في الدين، حتى عسروا على الناس، ونفروهم من أنفسهم. فإن الملوك والأمراء من الأمويين - قد غالوا في استخفافهم للشريعة، وأكثروا في الأرض الفساد وقتلوا الناس بالظنة. إذا: فالناس - كما قلنا - كانوا بين فكي الكماشة، الخوارج المغالية المتطرفة من جهة، والحكومة الغاشمة من جهة أخرى.
لقد كان من بين العلماء الذين لم يخرجوا ممن يعتد بهم أمثال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وابن عباس وغيرهم وغيرهم كثيرون. و أما ابن أباض، فإنه - فيما ظهر- كان ذا آراء مختلفة مع هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم. و أما جابر بن زيد، فآراؤه على ما يظهر كانت آراء غيره من علماء البصرة من التابعين، وإن كانت تتفق مع آراء ابن أباض استنادا إلى الإباضية.
وهذا هو سر تأثير ابن أباض في المذهب أكثر من جابر بن زيد وغطت شهرته شهرة جابر. بالنسبة للقيادة الفكرية، لأنه - قبل - كان قد برز على مستوى النص. وهذا لا يتناقض مع كون جابر م رجع القوم مذهبيا - في وقت لاحق (*) - بعد أن أخذت المعارضة الإباضية تنتظم في سلك التكتل والتحزب المنظم، وتبلورت آراؤها وفق التطورات إلى أن أخذت طابعا متميزا، له صفة وهوية متميزتان، ثم