دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣شيئا فشيئا، شرعت الأفكار السياسية تذوب وتضمحل، وتحل محلها المسائل الفقهية ذات الطابع الشرعي المحض. فيستحيل مذهبا فقهيا خالصا يعني- رئيسيا - بالمواد الشرعية وشرح النصوص القرآنية التشريعية والأحكام والعلل والأصول الخ.
نحن نرى أن جابرا هو الذي انضم إلى الحركة الإباضية فالقرائن تؤيد ذلك (*) فتوطد العلاقة بين الرجلين بتلك السرعة بعد إلتقائهما - يوحي بأن جابرا كان يتتبع أخبار (جبهة الرفض) المتمثلة في الخوارج. فلولا غلو الخوارج لانضم إليها معظم العلماء. وآية ذلك انه عندما رأوا شخصا برز من الخوارج وانشق منهم، ثم دعا إلى أفكار معتدلة ومنطقية لم يتردد جابر في الانضمام إليه، لأنه مهما تكن آراء ذلك الشخص، فإنه سوف تكون أحسن من إسلام الأمويين وولاتهم.
إذا فلو أن الخوارج كانوا قد انتهجوا نهجا لينا يسيرا لالتف الناس حولهم بغية إزالة الأمويين. غير أن الناس رأوا أنه ليس هناك كبير فرق بين إفراط الخوارج، وتفريط الأمويين وتحاشوا منهما معا.
وأثناء ذلك كان ابن أباض يعيد النظر في مواقف الخوارج السابقة، ويشذب مواقفها على ضوء اقتناعاته الجديدة. فكان أن انضم إليه جابر فجاء غيثا على زرع، فجابر قضى عمره كله في العلم والتعلم والتعليم، فكسبه إلى جانب ابن أباض كان نصرا لهذا الأخير.
بالإضافة إلى رصده القومي الضخم " قبيلته " فكسبه إلى جانب العالم القادر على تفريع المسائل وتنقيتها وشرح النصوص وتفسيرها وإلقاء الأضواء على غوامض المسائل والمستغلق من المعضلات فرصة عظيمة لجابر لإيصال آرائه إلى أكبر قدر ممكن من الناس عن طريق ابن أباض، وهكذا كان كل منهما مكملا للآخر. ومما يزيدنا تمسكا بهذا الرأي أي - كون جابر منضما إلى مدرسة ابن أباض الفكرية- هو ان شيخه - أي شيخ جابر وهو عبدالله بن عباس - سبق أن خاض نقاشا " فلسفيا "/اسمحوا لي / بعد انفصال المحكمة، واقتنع بآرائهم، رغم عدم مناصرته إياهم، وهو لا شك كان يتحدث عنهم بشيء من الإجلال لثبات عقيدتهم وجرأتهم في الحرب فهي أمور تستهوي المسلم؟ والإسلام مازال طازجا. وإذا