دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٦فأرى أن جابرا لم يبرز اسمه وقتئذ ليس لخشية بطش الأمويين - رغم أني لا أنكر احتمال عدم مجاهرته بآراء مضادة لهم - بل كتموا اسمه لان اسمه لم يبرز كإباضي إلا لاحقا. فمسألة كتمان العقائد(1) أجد شيئا في نفسي لقبولها. وإذا علمنا ان سلفنا الصالح كانوا مستعدين دوما لمواجهة أي طارئ مهما اشتد في سبيل الله، وإيثارهم دوما الأخذ بالعزائم دون الرخص، علمنا أن " حكاية " كتمان العقائد هذه حكاية قابلة للنقاش لافتقارها إلى مايؤيدها كقرائن.
فجابر بن زيد كان في الواقع واحدا من بين رجال يشار إليهم بالبنان علما وفضلا، فهم ماكانوا ليلجئوا إلى كتمان أمورهم، وهم الخاصة، وقادة العامة، ومحط انظارها. فنحن نعلم أن سيدنا الحسين بن علي خرج من الحجاز إلى العراق؛ تلبية لدعوات أهل العراق مشددين له المواثيق والعهود بالطاعة والمناصرة. وانه إن رفض القيام بعد تردي الأوضاع الدينية، فسيكون المسؤول أمام الله لضياع ماضاع فذهب رضي الله عنه مع تحذير المحذرين له، ثم كانت النتيجة ان قتل. ولم يأخذ بالرخصة. بل - بعد الحسين - لقد قرأنا تاريخ كثير من أصحاب المذاهب الآخرين ضربوا وعذبوا؛ نتيجة مواقف لهم وآراء، فمنهم من مات متأثرا بالعذاب الأليم كابن حنبل وأبي حنيفة، ولم نأخذ الأمثلة من بعيد وهناك مثل قريب منا. هو موت الشهيد سيد قطب بعد ان رفض الأخذ بالرخصة، وآثر العزيمة علما بأن (الطغمة) كانت (1) قد طالبته بتقديم رسالة استرحام فرفض.
وهنا بهذه المناسبة يحلو لي إن أنقل للقارئ الكريم قولة مشهورة للإمام حسين الهضيبي عندما استأذنه بعض الناس في الأخذ بالرخصة بعد اشتداد محن الإخوان في مصر، فقال:" لا أكره أحدا على الأخذ بالرخصة والوقوف معنا، ولكني أقول لكم، إن الدعوات لم تقم يومابالذين يأخذون بالرخص(2).
(1) انظر: أيام من حياتي: زينب الغزالي ص 183 - دار الشروق
(2) أيام من حياتي: زينب الغزالي ص 27، دار الشروق.