دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٣قديما، أطال النظر، وأمعن في المقارنة، ودقق في العلل والمعلومات، متجردا عن كل عاطفة من شأنها أن تحول بين بصيرته وجوهر الأمور فتأتي كتابته –لهذا محترمة وموثوقا بها، وعلميا تطمئن إليها النفوس، في حين أننا نحن المسلمين لو أراد أحدنا أن يكتب عن منطقة من المناطق الإسلامية أو فرقة من الفرق الإسلامية تراه يعتمد على النقل والنسخ والتخمين والاستيحاء البعيد، ويضيف من عنده ما يشاء من آراء، لذا فضل المنهج الغربي الدقيق الجريء في المسائل العلمية.
قد يكون في هذا شيء من الصحة، غير أني أشم منه رائحة محاباة الإنسان الغربي.
والحق " ان الدراسة الميدانية" منبع ليس من اكتشافات الغرب، ولا بوليدة القرون المتأخرة، فإن القدامى من المسلمين كان أحدهم يقضي شطرا من عمره في البادية مع الأعراب الفصحاء، ليأخذ اللغة من ينابيعها الصافية، تطرق أذنيه كلمات اللغة، ويسمع موسيقى الكلمة وصفير المخارج وهي طازجة فور خروجها من شفة الناطق بها، ويرى بعينه حركة الشفتين من فم الأعراب، ويشاهد كيفية إلقاء الشعر، والقاعدة في قبولها أو رفضها لديهم، وكل ذلك في حركة معايشة حية متفاعلة، وليس كالكلام الميت الجميل جمال النعش المنقوش الذي تضغطه جلود المجلدات التي نفرح بحشوها في مكتباتنا اليوم.
إن المحدث بل وطالب الحديث "كان يقطع القفار والفيافي أياما وليالي سعيا وراء حديث يود أخذه مشافهة من الراوي، وليست الغاية مجرد الأخذ من الراوي هي باعث الطعن إليه، وإنما لمعرفة أحواله شخصيا، فإذا وجده طالب الحديث في حال لا ترضي الله والدين، أو لا تنصهر بالتحشم والمروءة أنكر عليه ورفض قبول الرواية منه، لعدم اطمئنانه على أهلية الرواية".
وأما الحذر والتدقيق فأعتقد بأن أحدا لا يتجاسر على مقارنة الأوروبيين بسلفنا، فيكفي أن يلقي أحدنا نظرة على أو كتاب من كتب "علم مصطلح الحديث" تقع عليه عينه ليرى التروي والدقة والأمانة في العلم، وأعتقد بأن المسلمين وحدهم وضعوا علم الرجال وشروط قبول رواية الراوي أو مصطلحات تشير إلى درجات الثقة، مثل صدوق، عدول … إلخ، أو صحيح، حسن، مشهور … إلخ